أفعل، ولا أحرق حشاشتي بعد ست وثمانين سنة"."
قال الطبري: (ثم سكت وسكتت المرأة، وانصرفت أنا) .
وأذن المغرب، وقعد الشيخ ونساءه على كسيرات وتمرات، التقطها لهم ... وقعد الناس من حولهم على الموائد الحافلات بشهي الطعام، تفوح من بيوتهم روائح الشواء والحلواء، يأكلونها ويستمتعون بها، وينسون أن رمضان شهر الإنسانية والإيثار، وأن الله ما فرض علينا الصيام للجوع والعطش والعذاب ... ولكن ليذكرنا هذا الجوع الإختياري الموقوت، أن في الدنيا من يجوع جوعا إجباريا، لا حد له ينتهي عنده، وليكون لنا من أعصابنا وجوارحنا، مذكر بالإحسان.
فمن يقعد على مائدته الحافلة بالطعام، وجاره يتلوى من الجوع، لا يفكر فيه، ولا يشاركه طعامه، فما صام ولا عرف الصيام، وإن جاع نهاره كله وعطش ...
إن العادة تضعف الحس، وإن إلف النعيم يذهب لذتها، فأوجب الله الصيام علينا لنذوق مرارة الفقد فنعرف حلاوة الوجدان، ولنشتهي في النهار لقمة من الخبز الطري، والجرعة من الماء البارد، فنعلم أن هذه اللقمة الطرية، وهذه الجرعة الباردة، نعمة من النعم، فلا ندع الإحسان مهما كان قليلا، ولا نزهد في صدقة نقدر عليها. ولقد كان لإبراهيم الحربي رغيف كل يوم ليس له سواه، فكان يترك منه كل يوم لقمة حتى إذا كان يوم الجمعة أكل اللقم وتصدق بالرغيف ...
كان الشيخ يفكر في هذا، فيألم لما صار عليه حال المسلمين، ثم يذكر أن الله هو ملهم الخير، ومصرف الأرزاق، فيحمده حمد رجل مؤمن راض.
وأمضى ليلته الرابعة بلا طعام، لأنه ترك التمرات والكسيرات للعجوز والبنات يتبلغن بها ...
قال الطبري: (فلما كان من الغد سمعت الخرساني يقول: معاشر الحاج ووفد الله من حاضر باد، من وجد هميانا فيه ألف دينار ورده أضعف الله له الثواب. فقام الشيخ إليه، فقال: يا خرساني قد قلت لك بالأمس ونصحتك، وبلدنا والله فقير قليل الزرع والضرع، وقد قلت لك أن تدفع إلى واجده مائة دينار فلعله يقع ف ييد رجل مؤمن يخاف الله عز وجل، فامتنعت. فاجعل له عشرة دنانير منها فيرده عليك ويكون له في العشرة ستر وصيانة.
فقال له الخرساني: يابا. لا نفعل ولكن نحيله على الله عز وجل.
ثم افترقا ...
فلما كان اليوم الذي بعده سمعت الخرساني ينادي ذلك النداء بعينه، فقام إليه الشيخ. فقال: يا خرساني: قلت لك أول أمس العشر منه، وقلت لك أمس عشر العشر عشرة دنانير فلم تقبل، فأعطه دينارا واحدا عشر عشر العشر، يشتري بنصف دينار قربة يسقي عليها المقيمين بمكة بالأجرة وبالنصف الآخر شاة يتخذها لعياله.