فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 5

تفيهقهم وتشدقهم وتكلفهم ألا وهو ما في قلوبهم من الكبر، وإلا فالمتفيهقون في اللغة هم الذين يتوسعون في الكلام ويفتحون به أفواههم، وهو مأخوذ من الفهق وهو الامتلاء والاتساع، فالمتفيهق يملأ فمه بالكلام ويتوسع فيه إظهارا لفصاحته وفضله واستعلاء على غيره، ولهدا فسر النبي صلى الله عليه وسلم المتفيهق بالمتكبر، والمتفيهق بمعنى المتشدق؛ فالمتشدق هو المتكلم بملء شدقيه تفاصحا وتعظيما لكلامه، وقيل: المتشدقون هم المتوسعون في الكلام من غير احتياط واحتراز، وقيل أراد بالمتشدق المستهزئ بالناس يلوي شدقه بهم وعليهم، والشدق جانب الفم، وأما الثرثارون فهم الذين يكثرون الكلام تكلفا وخروجا عن الحق (3)

فإلى متى يظل هم أحدنا الكلام والتعالم والنقد والاستعلاء على الخلق والاستهزاء بعمل العاملين؟ فهلا خفضنا من تشدقنا وتعالمنا وتفاصحنا، واتجهنا شيئا فشيئا إلى العمل!

لا نقول إن المسلم يجب أن يترك النقد كله، لكن ليكن شعارنا:"قليل من النقد وكثير من العمل"، فإن الأمة تشتكي من قلة من يعيشون لها وكثرة من يعيشون لأنفسهم، وقد وجدنا حال من يكثرون النقد وحال عموم المجتمع أنهم يعيشون لأنفسهم فيؤمنون مصالحهم أولا ويتعلقون بدنياهم ثم ينقدون الآخرين في وقت التسلية والراحة.

إذا كنت -أيها الإنسان - لا تبذل شيئا لدعوة الإسلام ولا تقدم شيئا لنصرة الدين فما لك وللآخرين الذين يقدمون ويبذلون ما في استطاعتهم! ما لك ولهم؛ فإن الإسلام أباح التيمم عند فقد الماء، وأباح إمامة الأمي لمثله؛ وتلك الصحوة التي تحمل عليها، وعمل أولئك الدعاة الذين تنال منهم بالنسبة إلى الصورة المثالية كالتيمم عند فقد الماء.

أولى بك -أيها المسلم -أن تتحرك لدينك، تحرك إن كان في قلبك إيمان .. ماذا تنتظر؟ أما أزعجك غياب شرع الله عن الهيمنة على حياتنا؟ أما أتاك نبأ الشركيات والبدع في مجتمعاتنا؟ أما أزكمت أنفك رائحة المعاصي والمنكرات في كل مكان؟ أما أعمتك المتبرجات في الطرقات؟

إلى متى تعيش لنفسك؟ إلى متى تعيش للأكل والشرب والنكاح والأولاد؟ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) (الأنفال: 28) .

أما بلغتك دعوته صلى الله عليه وسلم:"تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذ ن له، وإن شفع لم يشفع"، الخميصة: ثياب خز أو صوف معلمة، والساقة: الذين يحفظون الجيش من ورائه (4) .

أين دور كل واحد منا تجاه دعوة الله جل وعلا؟ أين الدافع الذاتي؟ إيمانك الذي في قلبك، ألم يحركك؟ أليس كافيا لدفعك للدعوة إلى الله؟ أين غيرتك على الدين؟ هل اكتفيت بأن اسمك معدود في المسلمين؟

ألم يأتك نبأ أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -؟! ما إن أسلم - رضي الله عنه - وعلم بما دخل فيه من دين الله - تعالى- حتى أخذ يتصل بخيار رجالات قريش، لم يجلس في بيته، ولم ينتظر تكليفا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينطلق للدعوة إلى الدين الذي اعتنقه، وإنما أتاه التكليف من إيمانه وصدق سلامه، فأخذ يتصل بخيار رجالات قريش في مكة مرض عليهم الإسلام سرا، فأجابه وأسلم على يديه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت