وأن يقلع على الذنب، ويصر على أن لا يباشره، فإذا ربه يتكرم عليه؛ فيغفر ذنبه، ويقبل توبته.
-والله سبحانه وتعالى؛ شديد العقاب، يعاقب كل من يستمر ويصر على الذنب ... كل من يعادي دعوة الله، وكل من يؤذي الدعاة، وكل من يكيد بهم ويمكر بهم؛ يقتلهم الله قتلًا، ويأخذهم أخذ عزيز مقتدر.
{غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ} ؛ ذي الفضل والإنعام، فهو المنعم على عباده، وهو الذي يغمرهم بنعمه التي لا تحصى ولا تعد.
ثم تذكر كلمة التوحيد {لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} ؛ منه البداية ومنه النهاية، إليه المصير، فالمرجع والمآب والمنتهى إليه سبحانه، {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} ، {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا} {إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ} .
ثم تأخذ السورة في بيان المعركة القائمة بين الحق والباطل ...
معركة عنيفة شديدة، فيها الحق ملء الوجود كله، في السموات والارض، والبر والبحر، والرطب واليابس، الإنسان والحيوان والنبات والجماد ... كل شيء يعترف بوحدانية الله، مقر بإلوهية الله وربوبيته، ممسك بالحق، قائم عليه.
هذا اجماع من الوجود، بكل اتجاهاته وكل أنواعه، لا يخرج عن هذا الإجماع إلا من يسمون بـ"الذين كفروا"، فهم شذوذ على هذا الاجماع.
{مَا يُجَادِلُ فِي آَيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا} ؛ لا يجادل أحد في هذا الكون الفسيح الواسع ... لا يجادل أحد في وحدانية الله وإلوهيته، لا يجادل أحد في قيام هذا الوجود على الحق الأصيل، الكل مجمع عليه، لا يخرج على هذا الإجماع إلا نشاز وأفراد من هذا الوجود، هم"الذين كفروا".
هم وحدهم الذين يجادلون في آيات الله، فإذا كانت معهم بعض مظاهر القوة أو الحركة أو العُدة، فلا يغرنك هذا، إنما هو متاع قليل، وإنما هو عرض زائل، وإنما هذا كله زبد وأمر عما قليل ينتهي، فلا يغررك تقلبهم في البلاد ... هذا الإجماع القائم على الحق، لا يضيره خروج بعض أفراد منه ليكونوا من أهل الباطل.
وأهل الباطل يُجمعون قوتهم وجنودهم وسلطانهم، ليحاربوا الحق في كل مكان، وليجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق، فإذا كان قومك أيها الرسول الكريم قد جادلوا بالباطل؛ فإن هذا أمر قديم على امتداد الزمان؛ {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ} ،