(تحقيق في مسألة الفجر الصادق والفجر الكاذب في المغرب)
قرأت بالشبكة العنكبوتية موقع: (منتديات المغرب الأقصى الإسلامية) ، حوارات ومناقشات متنوعة حول تحقيق مسألة الفجر الصادق من الكاذب بالمغرب، مع حيرة واضحة في كلامهم، وتردد صارخ في نقاشهم، وشك معلَن في كلام السائلين والمحاورين، فلما رأيت ذلك أحببت أن أدلو بدلوي وذلك بتقديم هذه الرسالة للطباعة مرة ثانية بعد أن نفذت الطبعة الأولى التي تلقاها الناس باستحسان كبير، وكثر الطلب عليها خارج المغرب وداخله، وطلب مني بعض طلبة العلم المجتهدين أن أعيد طبعها لتعم الفائدة، وتزول الحيرة والشك والتردد، كما طلب مني أن أقوم بشرح ما فيها من الألفاظ الغامضة: فأجبت ولبيت طِلبتهم تمثلًا ومستشهدًا بما قلته في منظومتي لـ (متن نخبة الفكر) ، كما في كتابي: (إتحاف الطالب بمراتب الطلب) ، أو: (كيف نطلب العلم؟) (ص:1181) :
وصاغه الشيخُ الفتى الحدوشي ... في ذا القصيدِ الرائقِ المنقوشِ ...
فجاءنِي بعضٌ من الإخوانِ ... يسألني التلخيص في بيانِ ...
لبَّيتُه أجبته لذلك ... لأِندرِجْ في تلكُمُ المسالكْ
بعد أن أضفت إليها أحاديث كثيرة، وبحوثًا وتنبيهات وتعليقات جديدةً، وتخريجات واسعةً واستدراكات كثيرة فاتتني في الطبعة الأولى [1] ، وفروع فقهية جميلة، وكتبت من وراء القضبان بزنزانتي
(1) والأمر في هذا عندي كما قال العلامة المحقق المحدث المدقق المعلمي في: (التنكيل) (1/ 302) : (ومن البين أن العالم لا يزال يحتاج إلى الزيادة في تآليفه فلعله زاد في النسخة التي بقيت عنده أشياء لم تكن في النسخة الأولى) . وقبله قال الحافظ الإمام شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي في: (تذكرة الحفاظ) (4/ 1347) : (إن ابن الجوزي: كان كثير الغلط فيما يصنفه فإنه كان يفرغ من الكتاب ولا يعتبره) . انظر: (تنزيه الشريعة) (2/م) ، و (كشف المشكل) (1/ 12) ، و (فتاوى ابن تيمية) (4/ 169) .
ونحن من وراء القضبان نرحب بكل نقد بناء نزيه ورصين مهما كان وممن كان، ومتى كان، و (لا نزال نتعلم ما وجدنا من يعلمنا"الكامل""1/ 85"لابن عدي) ، وليس بيننا وبين الحق حجاب، وقديمًا قيل: (حراسة العلم أولى من حراسة العالم) . ولهذه الكلمة الحكيمة قصة رائعة، من المناسب أن نسوقها هنا. قال أبو حيان التوحيديكما في"البصائر" (9\ 20) :"قال أبو سعيدالسيرافي: كان أبو بكريعني ابن دُريدضعيفًا في التصريف والنحو خاصة، وفي كتاب (الجمهرة) خلل كثير، قلنا له: فلو فصّلت بالبيان عن هذا الخلل، وفتحت لنا بابًا من العلم، فقال: نحن إلى سَتر زلات العلماء أحوج منا إلى كشفها، وانتهى الكلام."
فلما نهضنا من مجلسه قال بعض أصحابنا: قد كان ينبغي لنا أن نقول له: (حراسة العلم أولى من حراسة العالم) ، وفي السكوت عن أبي بكر إجلال، ولكن خيانة للعلم". انظر: (تعقبات الحافظ ابن حجر على الإمام الذهبي في"ميزان الاعتدال") (ص:6) للأستاذ: علي بن محمد العمران. انتهى من هامش كتابي: (شفاء التبريح ... ) (ص:33) ."
لأن غايتناعلِم اللهالوصول إلى الحق والالتزام به والدعوة إليه والدفاع عنه حتى الموت، لأننا نكره الباطل وأوديته وأهله ودعاته الذين (وقفوا على أبواب جهنم) يدعون ويزينون للناس الباطل في الإعلام بلفظهم ولحظهم، ومدحهم للباطل بالزور والخنا، عودوا أيها البلاطيون من سماء الله العالية إلى أرضه البالية، وإلا حل بكم ما حل بفرعون وجنوده، والتاريخ خير معلم للبشر، والخير لا ينهزم، والشر لا ينتصر، (ولينصرن الله من ينصره) ، و (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) ، (وكان حقًا علينا نصر المؤمنين) ، (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) ، (إن الله يدافع عن الذين آمنوا) ، (لا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين) ، (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنًا) ، (إن الله لا يخلف الميعاد) ، (إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون) .
ولله در القائل:
ضع في يدىَّ القيد، ألهب أضلعي ... بالسوط، ضع عنقي على السكين ...
لن تستطيع حصار فكرى ساعة ... أو: نزع إيماني ونور يقيني ...
فالنور في قلبي، وقلبي في يدى ... ربي، وربي ناصري ومعيني
فكراسيكم أيها الظالمون كالنعش تحملكم وتوصلكم إلى القبر صندوق الديدان، ثم إلى سقر وبئس المصير إن لم تعقدوا الصلح بينكم وبين الجبار خالقكم، نحن المؤمنين لا نفر من الزحف، ولا نطلب العفو من خدمة الإسلام، فلذلك أكرمنا الله داخل سجون الظالمين بالانتصارات، وأذلكم الله (بالانكسارات) ، وألْسِنَةُ الحق لا توقفها سجون الظالمين، ونهايات الظالمين مهما طالت وتجبرت فهي محدودةفمصيرها جهنموالظالمون يقاتلون في إعلامهم الكاسد والفاسد من غير عدة، ويخاصمون بغير حجة، ويصارعون بغير قوة، ويتجشّأون من غير شبع، ويمدون القوس وما له وتر، ويحدون وما لهم بعير، يتفاصحون بذكر الجعجعة والقعقعة، (فليرحم مثلهم) .
وفي المثل العربي: (أسمع جعجعة ولا أرى طحنًا) أي: مطحونًا وهو مثل يُضرب للرجل الذي يكثر الكلام ولا يعمل به، وللذي يعِد ولا يفعل. انظر: (الجامع لأحكام القرآن) (2/ 281) ، وقال مطر بن عبد الله سمعت مالكًا يقولفليسمع هؤلاء الذين يدعون الانتساب لمذهب مالك كذبًا وزورًا!!: (الدنو من الباطل هلكة، والقول بالباطل بعدٌ عن الحق ... ) . كما في: (تذكرة الحفاظ) للذهبي (1/ 211/رقم:199) .
وكأن ابن القيم عناهم بقوله: (لما صَعُبَتْ التكاليف على الجهال والطّغام، عدَلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم) . كما في: (إغاثة اللهفان) (1/ 284) ، و (الفتح الرباني) للشوكاني (4/ 1922) ، وأظنني قد أتيت البيوت من أبوابها، ولبست المعالي بأثوابها حين بينت مسألة الفجر الصادق والعالم الصادق، والفجر الكاذب والعالم الرسمي الكاذب.
يا من يحرس أجهزة الظلم والقمع، وشواطئ العري والجرم، والمراقص الليلية والخصام، والكازينوهات التي تجمع الِّئآم، وحانات الخمر، وأوكار القمار، ومواخر البغاء، وجحور اللواط، بدعوى مصلحة البلاد والاقتصاد، التاريخ لا يحميكم ولا يرحمكم ولا يقف عند بابكم، تسجنون وتظلمون العباد باسم مصلحة البلاد، أتجهلون أيها الأغبياء: أن من عرف ما قصد هان عليه ما وجد، وأن المسلم يعيش لهدف، وأن أفعاله تصان عن العبث، و (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) ، وأنه لا يتعامل بصفة شخصية، وأنه لا يركع لبشر مهما كان، وأنه لا يصنع أعداءً لتصفية الحسابات الشخصية، وأن كلمته لا تسجن، وأن منهجه لا ينتصر بالولائم والآمال الكاذبة، بل: انتصار المنهج وظهوره يحتاج إلى تضحية في سبيله، ومن أراد البرهان على ما قلت فعليه بقصة أصحاب الأخدود ففيها: (باسم الله رب الغلام) ، وفيها: (آمنا برب الغلام) (أخرجها مسلم بطول رقم:3005) .
وهذه العبارة الأخيرة قيلت بعد تضحية الغلام بنفسه فداءًا لدين الله تعالى، وأحسن مثال في هذه العصرسيد قطب البطل المجاهدكان قتله واستشهاده انتصارًا لمنهجه الذي عاش من أجلهحتى وإن كنا لا نوافقه على كثير من اجتهاداته، ومات في سبيله، حتى قال أحد الشيوعيين وهو في سجنه:
(إنني أتمنى أن أُقتل كما قتل سيد وينتشر مبدئي وكتبي كما انتشرت كتب سيد قطب) . بل: وجدنا مطابع النصارى في لبنان تسارع إلى طباعة ونشر كتب سيد رحمه الله كالظلال، والمعالم، والخصائص، والتصور، لما تدره من أرباح هائلة، نظرًا لكثرة القراء والمستفيدين والمحبين. يقول الدكتور أحمد حسن فرحات عن سر قبول وذيوع وانتشار الظلال هو أن سيد قطب كتب الظلال مرتين: مرّة بمداد العالِم، ومرة بدماء الشهداء .. ومن أراد أن يعلم قيمة تفسير سيد قطب: (الظلال) فليقرأه في زنزانته الانفرادية كما فعلت أنا بالسجن المحلي بتطوان، كنت أقرأُه وكأنني أنا المخاطب به وحدي لا غيري.
وكأن سيدًا كان يعلم هذا حين قال:
(إن كلماتنا وأقوالنا تظل جثثًا هامدة حتى إذا متنا في سبيلها وغذيناها بالدماء عاشت وانتفضت بين الأحياء) . صدق المجاهد الذي عاش حياته (سيدًا) ، وغادر الدنيا (سيدًا) ، رافعًا رأسه، عاش في الدعوة (قطبًا) ، وغادرها (قطبًا) ، وقد طلب منه الجلادون وشيخ الأزهر أن يعتذر للطاغية عدو الناصرلعنه الله، وأذلالَه وأضرابهمقابل إطلاق سراحه، فقال: (لن أعتذر عن العمل مع الله) .
وطلب منه مشايخ البلاط أن يكتب كلمة يسترحم بها عدو الناصر ويطلب منه العفو!!! فقال: (إن أصبع السبابة الذي يشهد لله بالوحدانية في الصلاة، ليرفض أن يكتب حرفًا يُقِر به حكم طاغية) ، وقال أيضًا: (لماذا أسترحم؟ إن سُجنت بحق، فأنا أقبل حكم الحق، وإن سجنت بباطل، فأنا أكبر أن أسترحم الباطل!) . وقال:"أنا لا أستطيع أن أعيش بنصف قلب: نصفه لله، ونصفه للدنيا"
وقد سأله أحد الضباط في أيامه الأخيرة عن معنى كلمة: (شهيد) ، فأجابه قائلًا: (شهيد: يعني أنه شهد أن شريعة الله أغلى عليه من حياته) . ولما طلب منه شيخ الأزهر التلفظ بالشهادتين قبل شنقه تبسم وأردف قائلًا: أيهذا الرجل إنني أقتل من أجل الشهادتين، أما أنت فتأكل بهما الخبز!!.
ومن نماذج الشموخ والبطولة على الجاهلية حتى في أشد اللحظات ما قاله البطل (سيد قطب) الذي انقطع به حبل المشنقة لحظة إعدامه بالباطل، فقال: (كل جاهليتكم رديئة، حتى حبالكم رديئة) .
ذكر صاحب كتاب: (مراحل التطور الفكري في حياة سيد قطب) (ص:68/ 69) قوله: كثير ممن كان قريبًا من سيّد رحمه الله قالوا بأن سبب إعدام سيّد رحمه الله هو أن الاشتراكيين (الشيوعيين) في مصر لما قرؤوا كتاب"معالم في الطريق"ذهلهم الأمر وأخبروا به السفير الروسي وحذروه من كتابات سيّد، فأخبر هذا بدوره الحكومة الروسية التي أمرت خادمها عبد الناصر بضرورة التصرف في الأمر، وكان وقتها في موسوكو، فأعلن منها نيته إعدام سيّد ورفاقه رحمهم الله ...
ولما كان الشيخ سيّد رحمه الله يُساق إلى المشنقة تقدَّم إليه شيخ من المشايخ الرسميين ليلقنه الشهادتين!! تقدم إلى الشيخ سيّد فقال له: يا سيّد، قل أشهد أن لا إله الآ الله!! فالتفت إليه الشيخ قائلا:"حتى أنت جئت تتم المسرحية، نحن نُعدم لإننا نقول"لا إله إلا الله"وأنتم تأكلون خبزا بلا إله الأ الله، إتق الله يا هذا، ولا تبقَ [أي لا تكن] سيفًا للظالمين"!! وكأن سيّدًا رحمه الله شمل بكلامه هذا هؤلاء الذين يزعمون اليوم أنه لا يعرف معنى"لا إله إلا الله"!!
انظر: (سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد عينيه ظاهرةلا تطلبه يا أبي حتى ولو قضيت في السجن ثلاثين سنة، فحمدت الله أن أخرج من صلبي مثلهحفظه الله وإخوته. انتهى من هامش كتابي) (ص:61/ 62/462/ 474/481) ، و (صناعة الحياة) (ص:60) ، و (علو الهمة) (ص:114/ 115) ، و (حقيقة الانتصار) (ص:18/ 19) للدكتور: ناصر العمري.
ولما حدثت نكبة"1967م"بعد وفاة سيد قطب بقرابة سنة، وقال حينها الأستاذ علال الفاسي كلمة عظيمة وجليلة وهي:"ما كان اللهُ ليَنصُرَ حربًا يقودها قاتل سيّد قطب".كما في ترجمة سيد قطب في: (الأعلام) للزركلي، و (مراحل التطور الفكري في حياة سيد قطب) (ص:9) للشيخ حسين بن محمد.
ولما أقام الضباط حفلًا كبيرًا بعد"نجاح الثورة!"مباشرة تكريمًا لسيّد رحمه الله، فالقائمين على الثورة أدركوا خطورة الرجل وشعبيته، فتزلفوا له في البداية، ولم يكن سيدًا"بالخب ولا الخبّ يخدعه"، ومما قاله في هذا الحفل ارتجالًا"إن الثورة قد بدأت حقًا، وليس لنا أن نثني عليها، لأنها لم تعمل بعد شيئًا يُذكر، فخروج الملِك ليس غاية الثورة، بل: الغاية منها العودة بالبلاد إلى الإسلام ..."،
وقال أيضا"لقد كنت في عهد الملكية مهيّئًا نفسي للسجن في كل لحظة، وما آمن على نفسي في هذا العهد أيضًا، فأنا في هذا العهد، مهيّئ نفسي للسجن، ولغير السجن، أكثر من ذي قبل"كأنه ينظر إلى القدر من ستر رقيقهنا وقف جمال عبد الناصرلعنه اللهوقال مخاطبًا سيدًا والحشد بصوت جهوري"أخي الكبير سيّد، والله لن يصلوا إليكَ إلا على أجسادنا، جثثًا هامدة، ونُعاهدك باسم الله، بل نجدّد عهدنا لك أن نكون فداءَك حتى الموت"!! وصفّق الناس بعدها تصفيقًا حادًّا وهتفوا بحياة سيّد!!
وقد طُلب منا نحن الشيوخ أن نوقع ورقة العفو يطلق سراحنا فورًا فرفضنا فقلت لهم: العفو معناه: عدم المؤاخذة عن الذنب. وطلبت منهم أن يضيفوا صفرًا آخر إلى (30 سنة) التي حكمنا بها إرضاءً لأسيادهم الصليبيين فيكون المجموع: (300 سنة) ، أما أن أطلب العفو فهذا فمما ينبغي أن لا يخطر ببالكم أن أطلب العفو وأنا مظلوم، ولا تفكروا فيه حتى في المنام، بل: أقسم بالله العظيم إن عاصمًا ولدي الصغير قال لي: لا تطلب العفو يا أبي هم ظلموك وأنت تطلب العفو منهم، يقولها والعبرة في: (إتحاف الطالب ... ) (ص:602/ 603) .