فهرس الكتاب
قال ابن القيم: (وهذا كمن يصلي بالأجرة، فهو لو لم يأخذ الأجرة، صلى، ولكنه يصلي لله وللأجرة، وكمن يحج ليسقط الفرض عنه ويقال: فلان حج، أو يعطى الزكاة كذلك، فهذا لا يقبل العمل منه) [1] يكره أخذ الأجرة على الإمامة فرضًا كانت أو نفلًا، قال أبو حامد الغزالي: (الرابعة: أن يؤم مخلصًا لله عز وجل، ومؤديًا أمانة الله تعالى في طهارته وجميع شروط صلاته.
أما الإخلاص: فبأن لا يأخذ عليها أجرة، فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم: عثمان بن أبي العاص الثقفي وقال: (اتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا) [2] فالأذان طريق إلى الصلاة فهي أولى بأن لا يؤخذ عليها أجر، فإن أخذ رزقًا من مسجد قد وقف على من يقوم بإمامته أو من السلطان أو آحاد الناس فلا يحكم بتحريمه ولكنه مكروه.
فالكراهة في الفرائض أشد منها في التراويح، وتكون أجرة له على مداومته على حضور الموضع، ومراقبة مصالح المسجد في إقامة الجماعة لا على نفس الصلاة. ثم قال: وأما الأمانة: فهي الطهارة باطنًا عن الفسق والكبائر والإصرار على الصغائر، فالمترشح للإمامة ينبغي أن يحترز عن ذلك بجهده فإنه كالوفد والشفيع للقوم، فينبغي أن يكون خير القوم ... وقال سفيان: (صل خلف كل بر وفاجر، إلا مدمن خمر، أو معلن بالفسوق، أو عاق لوالديه، أو صاحب بدعة، أو عبد آبق) [3] قال الشيخ خليل: في (المختصر) : (وأعاد بوقت في اقتداء بإمام بدعي: كحروري، وقدري) . ومعنى كلامه: أن من صلى وراء إمام مبتدع. يجب عليه أن يعيد صلاته. قال الدسوقي في (حاشيته) : (المعتمد أن الاقتداء بالمبتدع ممنوع، فإذا صلى وراءه أعاد الصلاة) . وقال ميارة في (الشرح الكبير) : (من شروط الإمامة كونه غير فاسق، وهو شامل لفسق الجارحة: من شرب خمر، وزنا، أو سرقة ونحوها. ولفسق الاعتقاد: كالقدري، والجبري، أعدل المذاهب أنه لا يقدم الفاسق للشفاعة، والإمامة. ومن صلى خلفه لا إعادة عليه إلى أن قال: (وأما الفاسق الاعتقاد: فقال أصبغ، وابن عبد الحكيم:(من صلى خلفه يعيد أبدًا) . ولابن القاسم في (المدونة) : يعيد في الوقت. ولابن حبيب: (يعيد أبدًا، ما لم يكن الإمام واليًا، أو صاحب شرطة، فالصلاة خلفه جائزة، وإن أعاد في الوقت فحسن) . وقال ابن الحاجب: وفيها -يعني المدونة- ولا يناكحون، ولا يصلى خلفهم، ولا يسلم عليهم). وقال خليل (وبطلت الصلاة باقتداء بمن بان فاسقًا بجارحة: كزان وشارب خمر، وعاق لوالديه، ونحو ذلك. انتهى بشرح الدردير) وقال أبو القاسم: (ومن صلى خلف من يلعن ببدعة، أو يسكر أعاد) . وقال أحمد: (لا يصلى خلف المبتدع بحال) . وابن عباس خالفه واثلة بن الأسقع.
مذهب أحمد:
وسئل الإمام أحمد، عن الصلاة خلف من يشرب الخمر، ومن يربي، فقال: (لا يصلى خلفه) . وسئل عمن قال: (لفظي بالقرآن مخلوق، أيصلى خلفه؟ قال: لا يصلى خلفه، ولا يجالس، ولا يكلم، ولا يسلم عليه) . وسئل عن الذي يشتم معاوية رضي الله عنه أيصلى خلفه؟ قال: لا يصلى خلفه، ولا كرامة) [4] وعليه فالصلاة خلف الطرقية باطلة، وخلف البقاليين، والتليديين، والصديقين، من الطرقية باطلة، لأنهم يلعنون معاوية، وأباه، وأمه بل يلعنون الأمويين كلهم، وكذا يفعل الشيعة، مع أن معاوية رضي الله عنه، كان من كتاب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومن المبشرين بالجنة، وخال المؤمنين -وسأعقد في هذه الرسالة فصلًا خاصًا -إن شاء الله- لرد شبه الغماريين، وتلميذهم الضال، السخاف، وغيرهم من المبتدعة. قال الإمام أحمد: (لا يصلى خلف واقفي، ولا خلف لفظي) [5] .
قال صاحب المغني: (النصوص عن أحمد تدل على أنه لا يصلى خلف الفاسق، وعنه رواية أخرى) . وفي الشرح الكبير: (مسألة: هل تصح إمامة الفاسق، والأقلف؟ على روايتين، والفاسق ينقسم على قسمين:
1 -فاسق من جهة الاعتقاد، وفاسق من جهة الأفعال، فأما الفاسق من جهة الاعتقاد: فمتى كان يعلن بدعته ويتكلم بها، ويدعو إليها ويناظر، لم تصح إمامته، وعلى من صلى وراءه الإعادة. قال أحمد: (لا يصلى خلف أحد من أهل الأهواء إذا كان داعية إلى هواه) [6] وقال: (لا تصلي خلف المرجئ [7] إذا
(1) - انظر: (إعلام الموقعين) (2/ 163) لابن القيم.
(2) - أخرجه أصحاب السنن والحاكم وصححه.
(3) - انظر: (الإحياء) للغزالي (1/ 207) تحت عنوان (وظائف الإمامة) .
(4) - انظر: (مسائل الإمام أحمد) رواية ابن هانئ (1/ 59/60/ رقم 292/ 294/ 295) .
(5) - انظر: (مسائل الإمام أحمد) رواية ابن هانئ (1/ 59/60/ رقم 292/ 294/ 295) .
(6) - قلت: وكان الإمام أحمد (يرى الصلاة خلف أئمة الجور، ولا يراها خلف أهل البدع) انظر: (معالم السنن) (2/ 145) و (الفقه وأدلته) (2/ 182) لأنه يشترط للإمامة العدالة، لأن الداعية إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة. يعاقب بما لا يعاقب به الساكت. كما قال ابن تيمية في (السياسة الشرعية) (ص117) .
(7) - وفي كتاب (تهذيب الآثار) للشيخ محمد بن جرير الطبري (2/ 181) : (فأما المرجئة اليوم، فهم يقولون: الإيمان قول بلا عمل، فلا تجالسوهم، ولا تؤاكلوهم، ولا تشاوروهم، ولا تصلوا معهم، ولا تصلوا عليهم) .