فهرس الكتاب

الصفحة 1 من 2

ها هي عجلة الزمان تدور، وحركة الحياة تسير، ليهل علينا في هذه الأيام الضيف الكريم المرتقب، يهل علينا شهر رمضان وقد اشتاقت إليه النفوس، وهفت إليه القلوب، لتنهل من بركاته وخيراته ونفحاته، فهو شهر التوبة والإنابة والمغفرة: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» [متفق عليه] .

فالصائم فيه يؤوب إلى ربه، ويجدد العهد مع خالقه، ويكثر من طاعته رجاء مغفرته ورضوانه.

وهو شهر التربية البدنية والروحية، يربي البدن على الصبر والتحمل.

فالصائم فيه يصبّر نفسه عن الطعام والشراب، والشهوات المباحة أثناء الصيام ابتغاء مرضاة الله، وفي الحديث: «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي» [رواه البخاري] .

وهو شهر القرآن، ففيه نزل، هداية العالمين، وفيه يتلى آناء الليل وأطراف النهار، {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان} .

فيه تتجلى مظاهر الرحمة والمواساة بين المسلمين في أبهى صورها، حيث يشارك الغني الفقير، والشريف الوضيع، والقوي الضعيف في عبادة واحدة، وفي وقت واحد مما يسبب تآلف القلوب وإحساس كل منهما بما يحسه الآخر فيكون أدعى إلى التراحم بينهم.

وهو شهر الجود والخيرات وزكاة الفطر وقد كان نبينا الكريم صلوات الله وسلامه عليه أجود ما يكون في رمضان، وكان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر أبدًا، وقال جابر:"ما سئل صلى الله عليه وسلم شيئًا قط فقال لا" [رواه مسلم: 4274] .

وهو شهر الجهاد، تلكم الفريضة الغائبة من حياة كثير من المسلمين، وكأنها قد نسخت من أحكام هذا الدين، ولذا كانت العقوبة القدرية من الله «سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم» ، «وما ربك بظلام للعبيد» .

وهو شهر الفتوحات والانتصارات والمعارك الفاصلة في تاريخ الأمة الإسلامية، شهر بدر وفتح مكة وعين جالوت وحطين وغيرها.

وعلى هذا كان تاريخ أسلافنا المجيد.

أما حاضرنا فيختلف كل الاختلاف، فما زالت الجراح في ازدياد، والخروق في اتساع، وتزايد تداعي الأكلة على قصعة هذه الأمة من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب. . . أرض منتهبة، وحمىً مستباح، وأمة مستضعفة، تائهة حائرة، لا تدري ممن تلقف السهام، أمن أعدائها الكافرين من يهود ونصارى وملحدين وعباد البقر؟ أم من المرتدين المتسلطين المنتسبين إليها زورًا وبهتانًا أمثال مسيلمة الكذاب وسجاح والأسود العنسي من المعاصرين؟ أم من أبنائها الحقيقيين الذين أنيطت بهم مهمة الإنقاذ والتحرير؟ فتفرقت بهم السبل، وتنازعتهم الأهواء، ولذا فقد حرموا النصر والتمكين، {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم} .

فإذا قلبت معي النظر وجدت حقيقة ذلك ماثلة أمامك، فها هي الشيشان تُدك، وأفغانستان تحاصر، وكشمير تنتهك، والجزيرة تحتل، وها هي فلسطين كانت وما زالت تئن تحت سلطان اليهود أحفاد القردة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت