الصفحة 50 من 111

بعد فإنما أهلك الناس قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك المرأة فقطعت يدها فحسنت توبتها بعد ذلك وتزوجت قالت عائشة فكانت تأتي بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم [1]

فالتربية الإيمانية تمارس أثناء الجهاد ولا يؤجل الجهاد من أجلها، فهي لا تنتهي إلا بموت العبد، والقول بتأجيل الجهاد بحجة عدم اكتمالها يفضي إلى ترك الجهاد بالكلية، فإذا كان قد وقع في القرون الفاضلة ما وقع فهل يكون من بعدهم خيرا منهم أو معصومون من المعاصي دونهم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم) [2]

ومن المعلوم أن العدالة ليست من شروط وجوب الجهاد، وأنه يجوز للفاسق أن يخرج للجهاد إذا كانت منفعته للجهاد أعظم من مفسدة خروجه كما سبق، وقد ورد في النصوص أن الشهادة تكفر الذنوب، فإذا كان لا يخرج للجهاد إلا من أكمل التربية الإيمانية وخلا من المعاصي والمخالفات فأي شيء تكفره الشهادة إذن؟ ثم ما حد هذه التربية التي ينبغي اكتمالها؟

هذا ولا يعيب طائفة من المجاهدين أن يكون بين صفوفهم بعض العصاة، إنما يعيبها أن تقرهم على المعصية ولا تأخذهم بطاعة الله تعالى أمرا ونهيا، وقد كان المنافقون يخرجون مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغزو، ولم يقل أحد لا نجاهد طالما في الصفوف عصاة أو منافقون، والمقصود من هذا أنه إذا وجد بعض العصاة في طائفة مجاهدة قائمة بأمر الله فإن هذا ليس بمبرر لترك الجهاد معها، وقد اتفق العلماء على الجهاد مع البر والفاجر وأن ذلك خيرا من ترك الجهاد جملة والذي يؤدي إلى استئصال شأفة الإسلام وضياع شريعته وذل أهله.

ولذلك فقد قال ابن تيمية رحمه الله: فإذا تعذر إقامة الواجبات من العلم والجهاد وغير ذلك إلا بمن فيه بدعة مضرتها دون مضرة ترك ذلك الواجب، كان تحصيل مصلحة الواجب مع مفسدة مرجوحة معه خيرا من العكس. اهـ [3]

وقال الشاطبي رحمه الله مؤصلا هذه المسألة: وكذلك الجهاد مع ولاة الجور قال العلماء بجوازه، قال مالك: لو

(1) رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبو داود وابن ماجة وأحمد.

(2) رواه البخاري وتمامه عن الزبير بن عدي قال أتينا أنس بن مالك فشكونا إليه ما يلقون من الحجاج فقال: (اصبروا فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم سمعته من نبيكم)

(3) مجموع الفتاوى ج28/ 212.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت