الصفحة 58 من 111

اهـ [1]

فقد بين رحمه الله أن مناط التكيف بأوامر الجهاد هو القوة والقدرة، وأن العاجز عن مباشرة الجهاد يجب عليه أن يصبر حتى يحصل العدة اللازمة للقيام به، ولم يقل رحمه الله بوجوب العودة إلى المرحلة الأولى للدعوة، بل إنه رد بقول صرح على من يقول ذلك في نفس قوله هذا وقبل القول السابق بأن حكم الجهاد في مرحلته الأخيرة باق إلى يوم القيامة لا ينقطع، حيث قال رحمه الله: وصارت آية الصغار على المعاهدين في حق كل مؤمن قوي يقدر على نصر الله ورسوله بيده أو بلسانه، وبهذه الآية ونحوها كان المسلمون يعملون في آخر عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى عهد خلفائه الراشدين وكذلك هو إلى قيام الساعة، لا تزال طائفة من هذه الأمة قائمين على الحق ينصرون الله ورسوله النصر التام. اهـ [2]

أما عن نسخ الأوامر القرآنية بالصفح والعفو عن المشركين والصبر عليهم وعدم قتالهم فقد نقل القول بنسخها حقيقة جمهرة من العلماء والمفسرين

قال ابن جرير الطبري رحمه الله في تفسير قوله تعالى (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره) [3] : يعني جل ثناؤه بقوله (فاعفوا) فتجاوزوا عما كان منهم من إساءة وخطأ في رأي أشاروا به عليكم في دينكم إرادة صدكم عنه ومحاولة ارتدادكم بعد إيمانكم وعما سلف منهم من قيلهم لنبيكم (اسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين) (واصفحوا) عما كان منهم من جهل في ذلك حتى يأتي الله بأمره فيحدث لكم من أمره فيكم ما يشاء ويقضي فيهم ما يريد، فقضى فيهم تعالى ذكره وأتى بأمره فقال لنبيه وللمؤمنين به (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) ، فنسخ الله جل ثناؤه العفو عنهم والصفح بفرض قتالهم على المؤمنين حتى تصير كلمتهم وكلمة المؤمنين واحدة أو يؤدوا الجزية عن يد صغارا، وروى بسنده عن ابن عباس في قوله (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير) نسخ ذلك قوله (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) ، وعن قتادة: فأتى الله بأمره فقال (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر حتى بلغ وهم صاغرون) ، أي صغارا ونقمة لهم فنسخت هذه الآية ما كان قبلها (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره) ، وعنه: نسختها (اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) ، وعن الربيع في قوله (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره) قال: اعفوا عن أهل الكتاب حتى يحدث الله أمرا، فأحدث الله

(1) الصارم المسلول/122.

(2) الصارم المسلول/221.

(3) سورة البقرة، الآية: 109.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت