بدأ بكل لأنها هي أم الباب، كما أن الهمزة هي أم الباب في الاستفهام، وياء هي أم الباب في النداء .. وهكذا، فكل من اتقى الله، وكل من توكل عليه حصل له هذا الجزاء {يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا} و {مَخْرَجًا} هنا جاء في نكرة في سياق الشرط كذلك فيعم المخرج الكبير الضيق وكذلك أدنى ما يسمى مخرجًا، يعني: وإن قَلَّ. {وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} . قال رحمه الله تعالى: (وقال تعالى: {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا} [المزمل: 20] ) ( {وَمَا} ) يعني: كل من قدم خيرًا قوليًا أو فعليًا أو اعتقاديًا وجده عند الله على هذا الوصف، ما الذي دل على هذا القاعدة العامة؟ لفظ ما ( {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ} ) ، ( {خَيْرٍ} ) وإن قل ( {تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا} ) التنوين هنا للتعظيم، فكل من قَدَّمَ خيرًا فشمل خيرًا هنا النكرة في سياق الشرط ( {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ} ) نعم شرط خيرًا قوليًا أو فعليًا أو اعتقاديًا وجده عند الله على هذا الوصف {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7، 8] فكل من عمل خيرًا أو شرًا ولو كان أقل القليل وجد جزاءه، هذا مأخوذ من صيغة العموم. وقال تعالى: {قُلِ ادْعُواْ اللهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى} [الإسراء: 110] . أيَّ اسمٍ ثبت له في الكتاب والسنة دعوتموه به {فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى} لا يخرج عنها البتة. وقال تعالى: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر: 1، 2] . كل إنسان أل هذه ماذا تفيد؟ تفيد العموم، هي ليست موصولة هنا وإنما هي للإستغراق، والإستغراق هنا حقيقي، ولذلك لو حذفت أل ووضع كل صح {إِنَّ الْإِنسَانَ} أي: كل إنسان. فكل إنسان خاسرٌ يعني: في خسرٍ إلا من استثناه الله {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 3] فمن اتصف بهذه الصفات الأربع التي مرجعها إلى الإيمان - والإيمان قول وعمل - حينئذٍ هو الذي ينفى عنه الخسران. وقال تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} [بالأحزاب: 35] . أي: كل مسلم وكل مسلمة .. إلى قوله: {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [بالأحزاب: 35] [فكل وصفٍ قد دخلت عليه أل ويشترط فيه ألا تكون عهدية ففي هذه الآية فنعم] [1] (فكل وصفٍ قد دخلت عليه أل في هذه الآية يعم ما يدخل في ذلك الوصف) يعني: {الْمُسْلِمِينَ} عمَّ كل مسلم {الصَّائِمِينَ} عمَّ كل صائم {الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا} عمَّ كل ذاكرٍ. وقال تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: 11] . هذه ختم بها مثال، ومن التحدث بنعمة الله عز وجل إنهاء الكتاب جزاه الله خيرًا. {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} فهذا مفرد مضاف يشمل كل نعمة ظاهرة وباطنة دينية أو دنيوية) وقس على هذه الأمثلة ما أشبهها. والله أعلم.
(1) سبق.