(السادسة بعد المائة: الإعراض عما جاء عن الله) وهذا يسمى كفر الإعراض وهو أن يُعرض الرجل بقلبه وسمعه عن دين الله تعالى، ومثله من نشأ في بلاد الإسلام ولم يعلم من الإسلام إلا رسمه، بمعنى أنه يقلد غيره في جميع المسائل، هذا يُسمى كفر إعراض فلا يتعلمه ولا يعمل به ولا يواليه ولا يعاديه وهذا يعتبر ناقضًا من نواقض الإسلام العشرة المتفق عليها عند أئمة السنة، وهذا النوع من الكفر موجودٌ في الجاهلية وهو من خصالها قال تعالى: {وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ} [الأنعام: 4] والإعراض كفرٌ، يقول تعالى مخبرًا عن المشركين المكذبين المعاندين أنهم كلما أتتهم من آيةٍ أي: دلالةٍ معجزةٍ وحجةٍ من الدلالات على وحدانية الله تعالى وصدق رسله الكرام فإنهم يُعرضون عنها فلا ينظرون إليها ولا يبالون بها، وقال تعالى: {وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ * وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ} [الحجرات: 80، 81] . وقال تعالى في شأن قريش: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} [الأنبياء: 1،2] . وقال سبحانه: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ} [الأحقاف: 3] . وهذا في شأن الأُمِّيِّين فهم معرضون مع الجهل، وأما الكتابيون فهم معرضون مع العلم فكفرهم أشد من كفر الأُمِّيِّين وهو أعظم. قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوْتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ} [آل عمران: 23] . فالإعراض من سيما أهل الكتاب كذلك خالف هدي نبينا محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - هديهم فقد توعد الله تعالى من أعرض عن آياته فقال: {وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا * مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ} [طه: 99، 100] . يعني عن القرآن {فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا * خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاء لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا} [طه: 100، 101] . يقول ابن كثير رحمه الله تعالى: وقوله تعالى: {مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ} . أي: كذَّب به وأعرض عن إتباعه أمرًا وطلبًا، فمن لم يأتمر بأوامر الكتاب فهو معرضٌ عنه، ومن لم ينتهِ عن نواهي الكتاب فهو معرضٌ عنه، أي: كذب به وأعرض عن إتباعه أمرًا وطلبًا وابتغى الهدى في غيره، فإن الله يضله ويهديه إلى سواء الجحيم. وقال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى} [طه: 124،126] .