ثالثًا أن المستحق للعبادة دون ما سواه هو الخالق لأنه قال {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} لا شك أن الخالق هو المستحق للعبادة, فدل ذلك على أنه من لم يكن خالقًا لا يكون مستحقًا لـ .. للعبادة, أما من لا يخلق فلا يستحق شيئًا كما قال تعالى {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} .
فإذا عرفت أن الله خلقك لعبادته فاعلم أن العبادة لا تسمى عبادة إلا مع التوحيد، كما أن الصلاة لا تسمى صلاة إلا مع الطهارة، فإذا دخل الشرك في العبادة فسدت، كالحدث إذا دخل في الطهارة. فإذا عرفت أن الشرك إذا خالط العبادة أفسدها وأحبط العمل وصار صاحبه من الخالدين في النار، عرفت أن أهم ما عليك: معرفة ذلك، لعل الله أن يخلصك من هذه الشبكة وهي الشرك بالله الذي قال الله تعالى فيه: {إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} ، وذلك بمعرفة أربع قواعد ذكرها الله تعالى في كتابه:
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى مقررًا ما سبق وموضحًا له ومؤكدًا (فإذا عرفت أن الله خلقك لعبادته) , (فإذا عرفت) يعني من الآية السابقة, وما دل على أن ملة إبراهيم هي عبادته جل وعلا وحده بالإخلاص, (فإذا عرفت) من الآية السابقة (أن الله خلقك لعبادته) , وهذا داخلٌ في قوله {الْإِنسَ} لأنك واحد من .. من الإنس, حينئذ أنت مُخاطَب بما خُوطِبَ به .. اللفظ العام, لأنه يدخل فيه كل فرد من أفراد الإنس, (أن الله خلقك لعبادته) هذا مُتَقَرِّر ينبني عليه, (فاعلم) علمًا جازمًا لا يحتمل النقيض بوجه من الوجوه, (أن العبادة) المأمور بها في الآية السابقة والتي خُلق من أجلها الخلق (لا تسمى عبادة) , أي صحيحة مقبولة, (إلا مع التوحيد) , إلا مع مصاحبة التوحيد, والمراد بالتوحيد هنا -ال للعهد الذهني- المراد به توحيد الألوهية, أي إفراد الله تعالى بالعبادة, وليس المراد به توحيد الربوبية ولا توحيد الأسماء والصفات, إذا (فاعلم أن العبادة لا تسمى عبادة إلا مع التوحيد) وهذا يدلك على أن المصنف رحمه الله تعالى إنما يفسر العبادة في مواضع عديدة بالتوحيد, لأن مبنى العبادة هو التوحيد, وإذا كان هو الأساس كان هو الذي ينبغي التنصيص عليه بضمن أفراد العبادة.