هذا المعنى ثم يأتي الشاهد من الحديث وهو قوله (والخليفة في الأهل) فما معنى كلمة خليفة في هذا المقام؟ والرجل يسافر ويستخلف الله في أهله.
أولًا: هو من يخلف غيره إذا غاب بأي صورة من صور الغياب كالذهاب بترك المكان أو الموت أو المرض أو عدم الاتزان وهذه كلها تكون من البشر فيخلفهم الله عز وجل لأنهم يغيبون ويموتون ويمرضون وتجري عليهم كل الأعراض التي مؤداها النقص أما الله سبحانه لا تجرى عليه هذه الأعراض ولا النقائص سبحانه لأنه القدوس المنزه على كل النقائص الصمد الذي لا يحتاج إلى أحد وتحتاج كل المخلوقات إليه فلذلك فإن الله يخلف كل البشر لأنه حي لا يموت ولا يفنى ولا يبيد سبحانه فهو الخليفة لكل ما في الكون وهذا دليل من نص من سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - يفسر معنى كلمة خليفة في الآية.
فاستخلاف العبد لله هنا على سبيل النقص والعجز من الإنسان فيوكل الأمر إلى من صفاته تدل على كماله وهو الله تعالى.
النص الثاني:
روى الإمام مسلم في صحيحه في كتاب الفتن من حديث النواس بن سمعان قال
ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الدَّجَّالَ ذَاتَ غَدَاةٍ فَخَفَّضَ فِيهِ وَرَفَعَ حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ فَلَمَّا رُحْنَا إِلَيْهِ عَرَفَ ذَلِكَ فِينَا فَقَالَ (( مَا شَأْنُكُمْ ) )قُلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ ذَكَرْتَ الدَّجَّالَ غَدَاةً فَخَفَّضتَ فِيهِ وَرَفَعْتَ حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ فَقَالَ (( غَيْرَ الدَّجَّالِ أَخْوَفُنِي عَلَيْكُمْ إِن يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ وَإِن يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ وَاللهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ... ) )الحديث
ففي هذا النص أيضا ما يبين لنا أيضًا أن الله خليفة كل المخلوقات لأنه حي لا يموت ولا يغيب ولا يفنى ولا يبيد سبحانه جل في علاه وهو من كلام الرسول - صلى الله عليه وسلم - وثابت بيقين فلا يمكن تأويله ولا يحتمل إلا هذا المعنى الذي نحن بصدده.
فاستخلاف النبي - صلى الله عليه وسلم - لله هنا على سبيل النقص والعجز من الإنسان فيوكل الأمر إلى من صفاته تدل على كماله وهو الله تعالى.
ثم إن الآية نفسها تنفي هذا المعنى الأول الشائع الباطل المتبادر إلى الأذهان ولكن لا يُعرَفُ ذلك إلا بالتدبر والتمعن في ألفاظ الآية الكريمة وغيرها من الآيات وإليك هذا المعنى يقول الله تعالى {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} البقرة: (30) الكلام من الله للملائكة ولم يكن آدم قد خلق بعد ولكنه