فهرس الكتاب

الصفحة 503 من 630

(الثَّانِي) أول مَنْ سَنَّ الْجِزْيَةَ فِيمَا عَلِمْنَا كِسْرَى أَنُوشِرْوَانَ، وَهُوَ الَّذِي رَتَّبَ أُصُولَهَا وَجَعَلَهَا طَبَقَاتٍ. قَالَ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ الْمُحَدِّثُ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ يَذْكُرُ مَا فَعَلَهُ كِسْرَى فِي أَمْرِ الْخَرَاجِ وَالْجِزْيَةِ: وَأَلْزَمُوا النَّاسَ مَا خَلَا أَهْلَ الْبُيُوتَاتِ وَالْعُظَمَاءَ وَالْمُقَاتِلَةَ وَالْمَرَازِبَةَ وَالْكُتَّابَ وَمَنْ كَانَ فِي خِدْمَةِ الْمَلِكِ، وَصَيَّرُوهَا عَلَى طَبَقَاتٍ: اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا، وَثَمَانِيَةً، وَسِتَّةً، وَأَرْبَعَةً، بِقَدْرِ إِكْثَارِ الرَّجُلِ أو إِقْلَالِهِ، وَلَمْ يُلْزِمُوا الْجِزْيَةَ مَنْ كَانَ أَتَى لَهُ مِنَ السِّنِّ دُونَ الْعِشْرِينَ وَفَوْقَ الْخَمْسِينَ.

ثُمَّ قَالَ. وَهِيَ الْوَضَائِعُ الَّتِي اقْتَدَى بِهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حِينَ افْتَتَحَ بِلَادَ الْفُرْسِ وَقَالَ الْمُؤَرِّخُ الشَّهِيرُ أَبُو حَنِيفَةَ أحمد بْنُ دَاودَ الدَّيْنَوَرِيُّ - وَهُوَ أَقْدَمُ زَمَانًا مِنَ الطَّبَرِيِّ - فِي كِتَابِهِ الْأَخْبَارُ الطِّوَالُ فِي ذِكْرِ كِسْرَى أَنُوشِرْوَانَ: وَوَظَّفَ الْجِزْيَةَ عَلَى أَرْبَعِ طَبَقَاتٍ، وَأَسْقَطَهَا عَنْ أَهْلِ الْبُيُوتَاتِ وَالْمَرَازِبَةِ وَالْأَسَاورَةِ وَالْكُتَّابِ وَمَنْ كَانَ فِي خِدْمَةِ الْمَلِكِ، وَلَمْ يُلْزِمْ أَحَدًا لَمْ تَأْتِ لَهُ عِشْرُونَ سَنَةً أو جَاوزَ الْخَمْسِينَ.

وَمَنْ وَقَفَ عَلَى هَذِهِ النُّصُوصِ يَظْهَرُ لَهُ أَنَّ الْجِزْيَةَ مَأْثُورَةٌ مِنْ آلِ كِسْرَى، وَأَنَّ الشَّرِيعَةَ الإسلامية لَيْسَتْ بِاولِ وَاضِعٍ لَهَا، وَأَنَّ كِسْرَى رَفَعَ الْجِزْيَةَ عَنِ الْجُنْدِ وَالْمُقَاتِلَةِ وَأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اقْتَدَى بِهَذِهِ الْوَضَائِعِ.

أَمَّا الْمَعْنَى الَّذِي تَوَخَّاهُ كِسْرَى فِي هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ فَبَيَّنَهُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي كِتَابِهِ الْكَامِلِ نَاقِلًا عَنْ كَلَامِ كِسْرَى فَقَالَ: وَلَمَّا نَظَرْتُ فِي ذَلِكَ وَجَدْتُ الْمُقَاتِلَةَ إجراء لِأَهْلِ الْعِمَارَةِ، وَأَهْلَ الْعِمَارَةِ إجراء لِلْمُقَاتِلَةِ، فَإِنَّهُمْ يَطْلُبُونَ أُجُورَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْخَرَاجِ وَسُكَّانِ الْبُلْدَانِ ; لِمُدَافَعَتِهِمْ عَنْهُمْ وَمُجَاهَدَتِهِمْ عَمَّنْ وَرَاءَهُمْ، فَحَقَّ عَلَى أَهْلِ الْعِمَارَةِ أَنْ يُوَفُّوهُمْ أُجُورَهُمْ، فَإِنَّ الْعِمَارَةَ وَالْأَمْنَ وَالسَّلَامَةَ فِي النَّفْسِ وَالْمَالِ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِهِمْ، وَرَأَيْتُ أَنَّ الْمُقَاتِلَةَ لَا يَتِمُّ لَهُمُ الْمُقَامُ وَالْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَتَثْمِيرُ الْأَمْوَالِ وَالأولادِ إِلَّا بِأَهْلِ الْخَرَاجِ وَالْعِمَارَةِ، فَأَخَذْتُ لِلْمُقَاتِلَةِ مِنْ أَهْلِ الْخَرَاجِ مَا يَقُومُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت