فهرس الكتاب
جَبَلِ لُكَّامٍ، عِنْدَ مَعْدِنِ الزَّاجِ، فِيمَا بَيْنَ بِيَامِنَ وَبُوقَا، يُقَالُ لَهَا: الْجُرْجُوْمَةُ، وَأَنَّ أَمْرَهُمْ كَانَ فِي اسْتِيلَاءِ الرُّومِ عَلَى الشَّامِ، وَأَنْطَاكِيَةَ إلى بِطْرِيقِ أَنْطَاكِيَةَ وَوَالِيهَا، فَلَمَّا قَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَنْطَاكِيَةَ وَفَتَحَهَا لَزِمُوا مَدِينَتَهُمْ وَهَمُّوا بِاللَّحَاقِ بِالرُّومِ، إِذْ خَافُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَلَمْ يَتَنَبَّهِ الْمُسْلِمُونَ لَهُمْ وَلَمْ يُنَبِّهُوا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ أَنْطَاكِيَةَ نَقَضُوا وَغَدَرُوا فَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ أَبُو عُبَيْدَةَ مَنْ فَتَحَهَا ثَانِيَةً، وَوَلَّاهَا بَعْدَ فَتْحِهَا حَبِيبَ بْنَ مُسْلِمٍ الْفِهْرِيَّ، فَغَزَا الْجُرْجُوْمَةَ فَلَمْ يُقَاتِلْهُ أَهْلُهَا، وَلَكِنَّهُمْ بَدَرُوا بِطَلَبِ الْأَمَانِ وَالصُّلْحِ، فَصَالَحُوهُ عَلَى أَنْ يَكُونُوا أَعْوَانًا لِلْمُسْلِمِينَ وَعُيُونًا وَمَسَالِحَ فِي جَبَلِ اللُّكَّامِ، وَأَلَّا يُؤْخَذُوا بِالْجِزْيَةِ ثُمَّ إِنَّ الجُرَاجِمَةَ مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يُوَفُّوا وَنَقَضُوا الْعَهْدَ غَيْرَ مَرَّةٍ لَمْ يُؤْخَذُوا بِالْجِزْيَةِ قَطُّ، حَتَّى إِنَّ بَعْضَ الْعُمَّالِ فِي عَهْدِ الْوَاثِقِ بِاللَّهِ الْعَبَّاسِيِّ أَلْزَمَهُمْ جِزْيَةَ رُؤُوْسِهِمْ فَرَفَعُوا ذَلِكَ إلى الْوَاثِقِ فَأَمَرَ بِإِسْقَاطِهَا عَنْهُمْ اهـ.
وَقَدِ اخْتَصَرَ النُّعْمَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ خَبَرَ الْجُرَاجِمَةِ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ إِنَّ الْجُرَاجِمَةَ إِلَخْ، وَفِي سَائِرِ خَبَرِهِمْ فِي الْبَلَاذُرِّيِّ مِنْ غَدْرِهِمْ وَنَقْضِهِمْ لِلْعَهْدِ، وَمُظَاهَرَتِهِمْ لِلْعَدُوِّ وَحُسْنِ مُعَامَلَةِ الْأُمَوِيِّينَ وَالْعَبَّاسِيِّينَ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ، مَا يَفْتَخِرُ بِهِ التَّارِيخُ الْإِسْلَامِيُّ الْعَرَبِيُّ بِالْعَدْلِ وَالْفَضْلِ. وَالشَّاهِدُ هُنَا وَضْعُ الْجِزْيَةِ عَنْهُمْ بَعْدَ تَكْرَارِ غَدْرِهِمْ.
فِيمَنْ تُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ
وَمِقْدَارُ مَا يُؤْخَذُ
نَصُّ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِهَا آنِفًا أَنَّ الْمُرَادَ بِأَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِي كَانَ يَتَبَادَرُ إلى الْأَذْهَانِ بِدِلَالَةِ الْقُرْآنِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَنَقَلَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ الِاتِّفَاقَ عَلَى هَذَا، أَيْ: وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ عَامًّا، وَكَانَ الْقُرْآنُ نَفْسُهُ يَدُلُّ فِي آيَاتٍ أخرى عَلَى بِعْثَةِ رُسُلٍ كَثِيرِينَ فِي الْأُمَمِ مِنْهُمْ مَنْ كَانُوا أَصْحَابَ كُتُبٍ. وَلَا فَرْقَ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ بَيْنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ،