فهرس الكتاب

الصفحة 613 من 630

وَذِكْرَى أُسْوَةِ النُّبُوَّةِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى اسْتِقْلَالِ الْمِلَّةِ، بَلْ أَفْسَدَتْهُ عَلَيْهِمُ السِّيَاسَةُ.

وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ لَمَّا كَانَ مِنْ أُصُولِ التَّشْرِيعِ لِلْحُكُومَةِ الإسلامية أَنْ تَقُومَ عَلَى قَاعِدَةِ الشُّورَى، وَأَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ فِيهَا مُنْتَخَبًا مِنْ أَيِّ بَطْنٍ مِنْ بُطُونِ قُرَيْشٍ، وَكَانَ مِنَ الْمَعْقُولِ الْمَعْهُودِ مِنْ طِبَاعِ الْبَشَرِ التَّنَافُسُ فِي الْمُلْكِ الْمُؤَدِّي إلى أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ مِنْ غَيْرِ اولِي الْقُرْبَى، وَأَنْ يَغْلِبَهُمُ النَّاسُ عَلَى حُقُوقِهِمْ فِي الْوِلَايَاتِ وَمَنَاصِبِ الدَّوْلَةِ، فَجُعِلَ لَهُمْ هَذَا الْحَقُّ فِي الْخُمُسِ تَشْرِيعًا ثَابِتًا بِالنَّصِّ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ إِبْطَالُهُ بِالِاجْتِهَادِ، وَمِنَ الْعَجَبِ أَنَّ أَكْثَرَ فُقَهَاءَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَعْتَبِرُوا هَذِهِ الْمَعَانِيَ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يُفَكِّرُونَ، وَلَا يَبْحَثُونَ فِي مُقَوِّمَاتِ الْأُمَمِ وَالدُّوَلِ الْقَوْمِيَّةِ وَالْمِلِّيَّةِ، بَلْ غَلَبَ عَلَيْهِمْ رُوحُ الْمُسَاواةِ، وَمَا يُعَبَّرُ عَنْهُ فِي هَذَا الْعَصْرِ بِالدِّيمُقْرَاطِيَّةِ حَتَّى أَسْقَطَ بَعْضُهُمْ سَهْمَ آلِ بَيْتِ الرَّسُولِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مِنْ بَعْدِهِ مَعَ بَقَاءِ تَحْرِيمِ مَالِ الصَّدَقَاتِ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ فِي مُقَدِّمَةِ هَؤُلَاءِ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ الْفَارِسِيُّ الْأَصْلِ، كَمَا كَانَ أَكْثَرُ الْغُلَاةِ فِي أَهْلِ الْبَيْتِ أَنْصَارَ الشِّيعَةِ مِنَ الْفُرْسِ، وَمَا أَفْسَدَ عَلَى آلِ الْبَيْتِ أَمْرَ دُنْيَاهُمْ ثُمَّ أَمْرَ دِينِهِمْ بَعْدَ ذَهَابِ أَئِمَّةِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ إِلَّا هَؤُلَاءِ الْغُلَاةُ، وَذَلِكَ أَنَّ زُعَمَاءَهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُخْلِصِينَ لَهُمْ، وَلَا لِدِينِهِمْ، بَلْ كَانُوا زَنَادِقَةً مِنَ الْيَهُودِ وَالْفُرْسِ يُرِيدُونَ بِالْغُلُوِّ فِي التَّشَيُّعِ تَفْرِيقَ كَلِمَةِ الْعَرَبِ، وَضَرْبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ لِإِسْقَاطِ مُلْكِهِمْ، وَلَا يَزَالُ هَؤُلَاءِ الْغُلَاةُ يَلْعَنُونَ سَيِّدَنَا عُمَرَ الْخَلِيفَةَ الثَّانِي وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَزِيدُ آلَ الْبَيْتِ عَلَى الْخُمُسِ، وَيُفَضِّلُهُمْ حَتَّى عَلَى اولَادِهِ، بَلْ لَمَّا كَانَ الدِّينُ هُوَ الْجَامِعُ لِكَلِمَةِ الْعَرَبِ حَاولُوا إِفْسَادَهُ أيضا بِغُلُوِّهِمْ وَتَعَالِيمِهِمِ الْبَاطِنِيَّةِ كَمَا فَصَّلْنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ تَفْصِيلًا فِي مَوَاضِعَ مِنَ الْمَنَارِ، وَكَذَا فِي التَّفْسِيرِ - فَفَقَدَتِ الْأُمَّةُ الْعَرَبِيَّةُ بِعَدَمِ وَضْعِ نِظَامٍ لِلْإِمَامَةِ، وَبِعَدَمِ كَفَالَةِ الدَّوْلَةِ لِآلِ بَيْتِ الرَّسُولِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وُجُودَ طَائِفَةٍ مُنَظَّمَةٍ تَتَرَبَّى عَلَى آدَابِ الإسلام الْعُلْيَا وَعُلُومِهِ وَتَكَلُّفِ الدِّفَاعَ عَنْهُ، مَعَ اتِّقَاءِ فِتْنَتِهَا بِنَفْسِهَا، وَافْتِتَانِ النَّاسِ بِهَا بِالنِّظَامِ الْكَافِلِ لِذَلِكَ، وَلِذَلِكَ سَهُلَ عَلَى الْأَعَاجِمِ سَلْبُ مُلْكِهَا، وَالْعَبَثُ بِدِينِهَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت