فهرس الكتاب
إلى حَالِ عَامَّةِ النَّاسِ، وَمِنْ ضَمِّ الرَّغْبَةِ الطَّبِيعِيَّةِ إلى الرَّغْبَةِ الْعَقْلِيَّةِ، وَلَا يَرْغَبُونَ إِلَّا بِأَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مَا يَجِدُونَهُ بِالْقِتَالِ، فَلِذَلِكَ كَانَ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا لِلْغَانِمِينَ. وَالْفَيْءُ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِالرُّعْبِ دُونَ مُبَاشَرَةِ الْقِتَالِ، فَلَا يَجِبُ أَنْ يُصْرَفَ عَلَى نَاسٍ مَخْصُوصِينَ، فَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يُقَدَّمَ فِيهِ الْأَهَمُّ فَالْأَهَمُّ. وَالْأَصْلُ فِي الْخُمُسِ أَنَّهُ كَانَ الْمِرْبَاعُ عَادَةً مُسْتَمِرَّةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَأْخُذُهُ رَئِيسُ الْقَوْمِ وَعَصَبَتُهُ، فَتَمَكَّنَ ذَلِكَ فِي عُلُومِهِمْ، وَمَا كَادُوا يَجِدُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِنْهُ وَفِيهِ قَالَ الْقَائِلُ:
وَإِنَّ لَنَا الْمِرْبَاعَ مِنْ كُلِّ غَارَةٍ تَكُونُ بِنَجْدٍ أو بِأَرْضِ التَّهَائِمِ
فَشَرَعَ اللَّهُ تعالى الْخُمُسَ لِحَوَائِجِ الْمَدِينَةِ وَالْمِلَّةِ نَحْوًا مِمَّا كَانَ عِنْدَهُمْ، كَمَا أَنْزَلَ الْآيَاتِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ نَحْوًا مِمَّا كَانَ شَائِعًا ذَائِعًا فِيهِمْ. وَكَانَ الْمِرْبَاعُ لِرَئِيسِ الْقَوْمِ وَعَصَبَتِهِ تَنْوِيهًا بِشَأْنِهِمْ، وَلِأَنَّهُمْ مَشْغُولُونَ بِأَمْرِ الْعَامَّةِ مُحْتَاجُونَ إلى نَفَقَاتٍ كَثِيرَةٍ، فَجَعَلَ اللَّهُ الْخُمُسَ لِرَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَشْغُولٌ بِأَمْرِ النَّاسِ لَا يَتَفَرَّغُ أَنْ يَكْتَسِبَ لِأَهْلِهِ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ نَفَقَتُهُ فِي مَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَلِأَنَّ النُّصْرَةَ حَصَلَتْ بِدَعْوَةِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَالرُّعْبِ الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ فَكَانَ كَحَاضِرِ الْوَقْعَةِ، وَلِذَوِي الْقُرْبَى؛ لِأَنَّهُمْ أَكْثَرُ النَّاسِ حَمِيَّةً لِلْإِسْلَامِ، حَيْثُ اجْتَمَعَ فِيهِمُ الْحَمِيَّةُ الدِّينِيَّةُ إلى الْحَمِيَّةِ النَّسَبِيَّةِ فَإِنَّهُ لَا فَخْرَ لَهُمْ إِلَّا بِعُلُوِّ دِينِ مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَنْوِيهًا بِأَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَتِلْكَ مَصْلَحَةٌ رَاجِعَةٌ إلى الْمِلَّةِ. وَإِذَا كَانَ الْعُلَمَاءُ وَالْقُرَّاءُ يَكُونُ تَوْقِيرُهُمْ تَنْوِيهًا بِالْمِلَّةِ، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ تَوْقِيرُ ذَوِي الْقُرْبَى كَذَلِكَ بِالأولى، وَلِلْمُحْتَاجِينَ وَضَبَطَهُمْ بِالْمَسَاكِينِ وَالْفُقَرَاءِ وَالْيَتَامَى - وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَعْطَى الْمُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُمْ وَغَيْرَهُمْ مِنَ الْخُمُسِ، وَعَلَى هَذَا فَتَخْصِيصُ هَذِهِ الْخَمْسَةِ بِالذِّكْرِ لِلِاهْتِمَامِ بِشَأْنِهَا وَالتَّوْكِيدِ أَلَّا يَتَّخِذَ الْخُمُسَ وَالْفَيْءَ أَغْنِيَاؤُهُمْ دُولَةً فَيُهْمِلُوا جَانِبَ الْمُحْتَاجِينَ، وَلِسَدِّ بَابِ الظَّنِّ السَّيِّئِ بِالنِّسْبَةِ إلى النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَقَرَابَتِهِ، وَإِنَّمَا شُرِعَتِ الْأَنْفَالُ وَالأرضاخُ؛ لِأَنَّ الإنسان كَثِيرًا مَا لَا