والسنة، كابن عبد البر والباجي وابن العربي وابن رشد الحفيد والقرطبي المفسر والقاضي عياض، فشنعوا على هؤلاء وعابوا عليهم إسرافهم في كتب التفريع؛ يقول ابن عبد البر مستنكرًا: « ... ولم يعتنوا بحفظ سنة ولا الوقوف على معانيها، ولا بأصل من القرآن، ولا عرفوا ما للعلماء في تأويله ولا وقفوا على أحكامه ... بل عوَّلوا على حفظ ما دوّن لهم من الرأي والاستحسان ... » [1] .
وقد كان ابن عبد البر من أهل الشأن في الحديث، فهو متمكن منه، ويظهر ذلك جليا في كتابه"الاستذكار"، وقد نادى إلى الاجتهاد وحمل على التقليد حملة كبيرة [2] ، وكذلك شأن ابن العربي الذي جمع بالإضافة إلى علوم التفسير والحديث علم الفقه والأصول ومسائل الخلاف حتى عد ممن بلغ رتبة الاجتهاد المطلق [3] ، واهتم الباجي بالأصول والجدل وله في الحديث كتاب"المنتقى"شرح فيه الموطأ، وقد ذهب فيه مذهب الاجتهاد [4] ، أما ابن رشد الفيلسوف فكتابه"بداية المجتهد"أكبر شاهد على تمكنه في علمي: الفقه المقارن وأصول الفقه، حتى عدَّه أحد الباحثين المعاصرين ضمن من بلغوا درجة الاجتهاد المطلق. [5]
فهؤلاء الأعلام وغيرهم من الفقهاء نبذوا التعصب والتقليد وفتحوا الطريق لدراسة مذاهب أخرى؛ مما جعل الفتوى أكثر نضجًا وتأصيلًا لاعتمادها على الكتاب والسنة وأقوال الفقهاء المعتمدة.
(1) - جامع بيان العلم وفضله، 2/ 207.
(2) - المصدر نفسه، 2/ 133.
(3) - من المؤرخين الذين عدّوه في هذه المرتبة: الذهبي، تذكرة الحفاظ، 4/ 1294، والحميدي، جذوة المقتبس، ص 120، والمقري، أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض، ت: مصطفى السقا، وإبراهيم الأبياري، وعبد الحفيظ شلبي، القاهرة، ط:1940، 3/ 62.
(4) - لطفي عبد البديع، الإسلام في إسبانيا، ص 43، نقلا: عن المختار الطاهر التليلي، ابن رشد وكتابه المقدمات، ص 64.
(5) - عبد المجيد التركي، ابن رشد ومدرسته في الغرب الإسلامي، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات، ط: 1، 1981، ص 185.