بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِهِ الأَمِينِ.
أَمِا بَعدُ:
السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ...
مُقدِمةٌ:
تَكفَّلَت السُّنَنُ الكَونِية، بِترجَمةِ لُغةِ التَّمكِينِ القَوِيِّةِ لِتقرأَ لَنَا مِن عنَاوِينِهَا السَّوِيَّةِ، أنَّ حُلِيَّ الوجُودِ ثَمَرةٌ لِلمِحنَةِ الكَؤودِ، وأنَّ النَّصرَ شَرطُهُ الحَق المَشهودِ، وسَبِيلُ الحَقِِّ إِعدَامُ الهَوى بِسيفِ الإخلاصِ، وأَوثَقُ تَلابيب الإِخلاصِ بَابُ المَعرِفَةِ بِاللهِ جَلَّ في سَماهُ، وأهدى طَريقٍ وأسوَاهُ وأصفَاهُ طَريقُ مَن رَضيَ اللهُ عَنهم مِمَّن هدَاهُ مِن النَّبِيِّينَ , وَالصِّدِّيقِينَ واجتبَاهُ 0
الخَطأُ سِمةٌ مُشترَكَةٌ لِلعَالَمِ:
ولا يُخطئُ المَرءَ الخَطأ، وكُلُ النَّاسِ تحتَ مَظلَّةِ الخَطأِ لَحظَةً قد انضَوَى، بِمقصدِ الهَوى، أو بِهدفِ الهُدى، فَهم بينَ مُهتدٍ سوىٍ، وغَويٍ ردي، ومَعَ أنَّ الحَقَ أجلَى وأندى إِلا أنَّ لُونَهُ ليلًا يُغيِّبُهُ عَنِ الأعشى، وأبدًا لا يُبصِرُهُ الأعمَى، وأهلُ المَعرِفةِ هُم لِلحقِّ أُولو القُربَى، وأَقرِبَاؤهُ مِن السَّلفِ أعلَمُ بِهِ وأَولى.
مُشكِلَةُ العَصرِ بين الهَوى والهُدى:
المَصالِحُ والمَفَاسِدُ قَضِيةُ اللَّحظَةِ القَاصِمَةِ، ومِيدانُ الأفهَامِ المُستَعرَةِ، بينَ مُثبِتٍ ومُعطلٍ، ومُطلِقٍ ومُقيَّدٍ، وضَابِطٍ وعَابثٍ، وَعلى ضَوءِ هذا تَراشقَ القَومُ بِسِهامِ القَواصِمِ، وتجَاولوا بِقواطِعِ الحَواسِمِ؛ وَقَد عَزمَتُ النِّيَّةَ مُتوكِلًا على اللهِ، رَاكبًا عَادِياتِ الأملِ، مُستضِيئًا بِنُورِ الحَقِّ لِتبديدِ شَبَحِ الضبَابِيةِ القَاتِم لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ.
المَصالِحُ والمفَاسِدُ:
لَها أصلُها المَتِين، وحَبلُها الثَخِين في أُصولِ الديَّنِ لا يُنكِرُ أَمرها إِلا مِن أَبطأ بِهِ الجَهل، وقَعدَ عن رَفعِهِ العِلم، فهي قاعدة ٌ مَعلُومة وتَأتي بِألفاظٍ مِنهَا"الضَررُ الأشدُّ يَزالُ بِالضَررِ الأخَف"، ومِنهَا"يُختَارُ أهوَنُ الشَّرِّينِ أو أخَفُ الضَّرَرينِ"، ومِنهَا"إِذا تَعَارضَ مَفسدتَانِ رُوعِيَ أعظَمَهمَا ضَرَرًا بِارتكَابِ أخفِهمَا"، ومِنهَا"إِذا اجتمَعَ ضَررَانِ أُسقِطَ الأصغرُ للأكبَرِ"، ومِنهَا"درءُ المفَاسدِ أَولَى مِن جَلبِ المَصالحِ"، وكُلها مِن مَعينِ وَاحِدٍٍ فَحاجاتُ النَّاسِ الدِّينيِّةِ والدُّنيَوِيِّةِ جَاءَ الدِّينُ لِيمهدَ سبِيلها، ولِيُنظِّمَ مَاهيِتها، ويُوجِّهَ مَسِيرتَها على جَلبِ المَصالحِ ودرءِ المَفاسدِ قَالِ اللهُ تَعالى: {وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} .
مَا المُشكِلةُ؟!
وَقَد يَقولُ قَائِلٌ وَهل هُناكَ مُشكِلةٌ؟!
أقُولُ: نَعم مُشكلةٌ وأيُ مُشكلةٍ! عِندمَا تُتركُ الفَرائِض باسمِ المصَالحِ والمَفاسِد، ويُدرَسُ الدِّينُ بِسهمِها، وتُحَلُّ عُراهُ بِرُمحِها، وتُقطَعُ أواصِرَهُ بِصوارِمِها، ويُحاربُ أولياؤهُ بِأصلِها، ويُرفعُ أعداؤهُ بِذاتِها، وليسَ لهَا في حَقِيقةِ الأمرِ دَفقَة نَصيبٍ، ولا كَرعَة حَظٍ، وذلكَ عِندَما تُفهمُ المَصلحَة مَفسَدة، والمفسدةُ مَصلحة، وذلكَ بِسببِ غِشاوةٍ على مَناظِيرِ التَنظيرِ لهَا، وَلقَد فَهِمَ بَعضُ النَّاسِ مِنها فُهومًا مُنحرفة تَحِيدُ بِها عن سبِيلِها المُستقيمِ، فحُمّلت هذه القَاعدة مِن المَعاني والأحكَامِ ما لا تَحتمِل، وفُتحَ بابٌ عَريض مِن التَساهُلِ في تَطبِيقِ الأحكامِ، وأصبحَ الهَوى مِن العَوامِلِ الخَفِيةِ التي تُؤثِرُ تأثيرًا بالغًا في تحدِيدِها، وهَلم جَرَ.
ومِن القَضَايَا المُضطرِمةِ اليومَ تِصنيفُ الجِهادِ جُملةً وتفصيلًا، دفعًا وطلبًا إلى مَصلَحةٍ أو مَفسدةٍ، وممَّا لا شكَ فِيهِ قَطعًا أنَّ اللهَ لم يُشرِّع أمرًا فيهِ مِن المَضرةِ المُطلقةِ ما يَفوقُ المَصلحة، ولكِن الأمرُ يَكمنُ في توقيتِ أداءِ هذا المَشروع كمَا هو مَشروعٌ، وعِندَ التَزَاحُمِ، وهذا يَنطبقُ على جِهادِ الطَلبِ، وهوَ مُقتضى الحِكمةِ التي تُحدُ بـ"فِعلِ مَا يَنبغي كَمَا يَنبغي في الوقتِ الذِّي يَنبغِي"حَتَى لا تَنعكِس المصَالِح إلى مفَاسدٍ.
جِهادُ الدَفعِ أمرهُ مَعلومٌ، وحَالُهُ مَحسومٌ، إذ هو ضُرورةٌ مُتحقِقةٌ، ومَفاسِدُ بقاءِ العَدوِ أكبَرُ مِن أنْ تُعرض وتُشهَر، مِن دَثرِ مَعالِمِ الدِّيَّانَةِ، وانتِهاكِ المَحَارِمِ المُقدسةِ، وقَتلِ الأنفسِ البَريئةِ، واستعِباد العِبادِ، ونَهبِ الأموالِ، وذوبان الأجيَال في بَراثِنِ التَنصِيرِ، فَهو فَسادٌ لا يُضاهِِيهِ فَسَاد، لأنَّهُ مَحرَقةٌ لِلمَحفُوظاتِ الضُّرورِيَّة، والمُجمَع على حِفظِها وهي: الدِّينُ، والنَّفسُ، والعَرضُ، والنَسبُ، والمَالُ.
ولِهذا لا يُقالُ هُنا يُنظرُ في مَصلحَةٍ أو مَفسدةٍِ ويُتكَلَفُ التَّنظِيرُ، ويَضعُ النُصوصَ في غيرِ موضِعِها، ويُحرَّفُ مُراد الأئمةِ على حسبِ الأهواءِ، وسلطانِ الرُّكونِ المَاحقِ لِلدنيَا والدِّينِ مَعَا، فليسَ بَعدَ هذا مِن مَصلحةٍ تُرجى، لا مِن قريبٍ ولا من بعيدٍ، فيَا سبحانَ الله أيُ مَصلحةٍ تُرجى لِلإسلامِ في دَولةٍ صليبيةٍ أقبَلت لِهدمِ كلِ مَبانِي الدِّيَّانةِ قَصدًا؟! وأيُ عُقولٍ تتكلمُ اليوم؟!
ومِن هُنا فَهِمَ الأئِمةُ أنَّ هذا الأمر مَحسومٌ، فَنقلوا الإجمَاعَ على فرضِيةِ دَفعِ العَدوِ دونَ النَّظرِ إلى وجودِ مصلحةٍ، أو درءِ مفسدةٍ، لِتَقرُرِ المَفسدَةِ جُملةً وتَفصِيلًا، شَرعًا وعَقلًا.
وهذا شَيخُ الأُصُوليِِّينَ، وتِلميذُهُ رحمهمَا اللهُ تعالى الَّذَينِ فَعَلا فِي قاعدةِ المصَالحِ والمفَاسدِ، مَا لم يُفعَل تَنظِيرًا، وتطبيقًا، قالَ ابن تيميةَ رحمهُ اللهُ تعالى: (فَأَمَّا إذَا هَجَمَ الْعَدُوُّ، فَلَا يَبْقَى لِلْخِلَافِ وَجْهٌ، فَإِنَّ دَفْعَ ضَرَرِهِمْ عَنْ الدِّينِ وَالنَّفْسِ وَالْحُرْمَة، وَاجِبٌ إجْمَاعًا) [الفتاوى الكبرى 4/ 607] .
وقالَ رحمهُ اللهُ تعالى: (وَأَمَّا قِتَالُ الدَّفْعِ فَهُوَ أَشَدُّ أَنْوَاعِ دَفْعِ الصَّائِلِ عَنْ الْحُرْمَةِ وَالدِّينِ فَوَاجِبٌ إجْمَاعًا، فَالْعَدُوُّ الصَّائِلُ الَّذِي يُفْسِدُ الدِّينَ وَالدُّنْيَا لَا شَيْءَ أَوْجَبَ بَعْدَ الْإِيمَانِ مِنْ دَفْعِهِ فَلَا يُشْتَرَطُ لَهُ شَرْطٌ بَلْ يُدْفَعُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ ... ) [الفتاوى 4/ 608] .
ولكَ هُنَا أخي القَارئُ الكرِيم أنْ تسألَ فَتقولَ فَمِن أينَ أتى القَومُ اليَومَ بَشرطِ المَصلحةِ لِتعطيِلِ الدفعِ؟! أقُولُ لأنهم أبَعد النَّاسِ عن حقَائِقِ المفَاسِدِ والمصَالِحِ.
وأَمَا مَا ذَكرَهُ شَيخُ الأُصُوليِّينَ ابنُ القيمِ رحمَهُ اللهُ تَعالى في"الفُروسِيِّةِ"يُبينُ مَدى عِظَمِ الإعَاقَةِ التي وَصلَ إلِيهَا القَوم اليَومَ، حيثُ قَالَ: (فَقِتَالُ الدَفعِ أوسَعُ مِن قِتَالِ الطلبِ وأعَمُّ وجُوبًَا ولِهذا يَتعينُ على كُلِ أحدٍ يَقُم ويُجَاهِدُ فِيهِ العبدُ بإذنِ سيدهِ وبِدونِ إِذنِهِ، والولِدُ بِدونِ إِذنِ أبويهِ، والغَريِمُ بِغيرِ إِذنِ غريمهِ وهَذا كجِهادِ المُسلِمِينَ يَومَ أُحدٍ والخَندقِ وَلا يُشتَرطُ في هَذا النَّوعِ مِن الجِهادِ أن يَكونَ العَدو ضِعفَي المُسلِمينَ فَمَا دُون، فَإنهم كَانوا يَومَ أُحدٍ والخَندقِ أضَعَافُ المُسلِمينَ فَكانَ الجُهادُ واجبًا عليهم، لأنَّهُ حينئذٍ جهادُ ضُرورةٍ ودَفعٍ لا جِهادُ اختيارٍ ... ) ، إِلى أن قَالَ: (فَجهادُ الدَفعِ يَقصِدُهُ كُلُ أحدٍ، ولا يَرغبُ عنهُ إلا الجبان المَذمومُ شَرعًا وعًقلًا) [الفروسية ج1/ص188] .
ولكَ أَن تَسألَ أخي القارئُ الكَريم أينَ ذِكْرُ المصَالحِ المفاسدِ هُنا؟! وهَل تَعَامى عَنها هَذا النِحريرُ؟!
وتَأمل أخي الكَريم في كلامَ ابنَ نُجيم الحَنفي رحمهُ اللهُ تَعالى وحَتَى تَعلمَ مَن هذا الرَجُلُ فَهو صَاحِبُ كِتابِ"الأشبَاهِ والنظائِرِ"الشَهِيرُ بِقواعدِ الفِقهِ وهوَ مِن أكثَرِ مَن تَكلَمَ عنِ المصَالحِ والمفاسدِ، ولأن تَركَ جهادُ الدَفعِ مَفسدةٌ مُتقررةُ في الدِّينِ والدُنيا معًا، وهوَ أمرٌ محسومٌ.
أنظر مَاذا يَقولُ صَاحبُ القواعدِ في شَرحهِ"لِكنزِ الدقائقِ"قال: (فَيَجِبُ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ تِلْكَ الْبَلْدَةِ، وَكَذَا مَنْ يَقْرُبُ مِنْهُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ بِأَهْلِهَا كِفَايَةٌ، وَكَذَا مَنْ يَقْرُبُ مِمَّنْ يَقْرُبُ إنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَقْرُبُ كِفَايَةً أَوْ تَكَاسَلُوا وَعَصَوْا، وَهَكَذَا إلَى أَنْ يَجِبَ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ شَرْقًا وَغَرْبًا!! ... ) ، إِلى أَن قَاَلَ: (وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ سُبِيَتْ بِالْمَشْرِقِ وَجَبَ عَلَى أَهْل الْمَغْرِبِ تَخْلِيصُهَا مِنْ الْأَسْرِ مَا لَمْ تَدْخُلْ دَارَ الْحَرْبِ ; لِأَنَّ دَارَ الْإِسْلَامِ كَمَكَانٍ وَاحِدٍ) اهـ [البحر الرائق ج5/ص78] .
أقولُ: هَذا مَا نَحتَاجُ إِليهِ وَهو المَنشُودُ المَفقُودُ تَمَامًَا.
أيُهمَا أولَى بِالحِفظِ؟ الدِّينُ أمِ النَّفسِ:
عُلِمَ بَدَاهةً أَنَّ الدِّينَ أَولَى بِالحفظِ مِن النَّفسِ، لأن الخَلقَ ما خُلِقُوا إلا لأجلِ الدِّينِ، قَالَ اللهُ تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ، ومِن الواجِبِ أنَّ تَكونَ الدُنيا تَبعًا للدِّينِ لا العَكس، ومِن البَلايَا المُدمِرةِ النَّظر إلى نتائِجِ الأحدَاث عَبرَ بَقاءِ الحَياةِ مِن عَدمِها، وَلو كَانَ هذا المِيزان في صَدرِ الإسلامِ لمَا شُرِعَ جِهادٌ أصلًا، ولو تُركَ المأمورُ بِهِ لِحفظِ الدِّينِ لمَا دَعَا نَبيٌ، لأن الجَميعَ كَانوا عُرضَةً للقتلِ، بل قُتِلَ مِنهم الكَثِير وهَل هُنَاكَ مَفسدةٌ أعَظم من قَتلِ نَبِي؟! أقولُ: نَعم! قَتلُ الدِّين أعظم.
فِلذلِكَ تَنبَهَ شيخُ الإسلامِ رحمَهُ الله تعالى لِهذهِ القضيةِ وهي قَضيةُ تَقدِيمِ الحَياةِ عَلى حِفظِ الدِّينِ، فقال رحمه الله تعالى: (وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يَقْصُرُ نَظَرُهُ عَنْ مَعْرِفَةِ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ مَصَالِحِ الْقُلُوبِ، وَالنُّفُوسِ وَمَفَاسِدِهَا , وَمَا يَنْفَعُهَا مِنْ حَقَائِقِ الْإِيمَانِ، وَمَا يَضُرُّهَا مِنْ الْغَفْلَةِ وَالشَّهْوَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} ، وَقَالَ تَعَالَى: {فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنْ الْعِلْمِ} ، فَتَجِدُ كَثِيرًا مِنْ هَؤُلَاءِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ لَا يَرَى مِنْ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ، إلَّا مَا عَادَ لِمَصْلَحَةِ الْمَالِ وَالْبَدَنِ) أهـ [الفتاوى الكبرى 2/ 19] .
وَهَذا هو الحَالُ اليَوم واللهُ المُستعَان.
أتركُ الجَوابَ لِشيخِ الإسلامِ رَحمهُ الله تعالى وفي كِتابٍ ألفهُ في قَاعدةِ المصَالحِ والمفاسدِ لِيتعلمَ كُلُ مُتعالِمٍ حيثُ قالَ: (وقد ذَكرَ تَعالى في ضِمنِ آياتِ الجِهادِ ذَمُ مَن يَخافُ العَدوَ، ويَطلبُ الحَياةَ، وبَينَ أن تَركَ الجِهادِ لا يِدفَعُ عَنهم المُوت بَل أينمَا كَانوا أدركَهمُ المُوتُ ولو كَانوا في بُروجٍ مُشيَّدةٍ فَلا يَنَالُونَ بِتَركِ الجِهادِ مَنفَعَةٌ، بَل لا يَنالونَ إلا خسارةَ الدُنيا والآخرةَ فَقال تَعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا} ) [الحسنة والسيئة ج1/ص19] .
تَأمل أخي القَارئُ الكَريم كَيفَ بَيَّنَ أن تَركَ الجِهادِ لا يِحصُل بِهِ مَصلحةٌ بِقوله"فَلا يَنَالُونَ بِتَركِ الجِهادِ مَنفَعَةٌ"وبَينَ مُنَظِّرَةِ العَصر، فإلى اللهِ وحدَهُ المُشتكى.
يقولُ البَعض قد لا يَلزمُ مِن الغَزوِ أن يَكونَ لأجلِ الدِّينِ، بِحيث أن العدو قَد يَكون أتى لأجلِ مَصالحٍ، لا مِن أَجلِ دِينٍ.
فيُقالُ: إنَّ هذهِ الشُبهةَ مِن أرخصِ الشُبَهِ ويَردُّ عليهَا قول الله تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} ، وقوله: {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} ، فالقوم أتَوا لأجلِ حَربِ الإسلامِ وقد أعلنُوها صَريحةً، ولو لم يُعلِنُوها فَكفى بِالله شَهيدًا.
لا شَك أنَّ الشَرعَ يَأمرُ بِاختيارِ القَتلِ عن ضَياعِ الدِّينِ قَالَ تَعالى: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِْ} ، انظُر كَيفُ جَعلَ اللهُ الفَتنةَ - الكُفر - أكبرُ مِن القَتلِ لِذلِكَ.
يَقولُ شيخُ الإسلامِ رحمَهُ اللهُ تَعالى في تَفسيرِ هذهِ الآية: (يَقولُ سُبحانَهُ وتَعالى وإن كَانَ قَتلُ النُّفوسِ فِيهِ شِرٌ فَالفتنةُ الحَاصلةُ بِالكُفرِ، وظهورِ أهلهِ أعظمُ مِن ذلكِ فُيُدفَعُ أعظم الفسَادين بِالتزامِ أدنَاهمَا) [مجموع الفتاوى ج10/ص513] .
تَأمل أخي القَارئ الكَريم كيفَ فَهِمَ هذا الرجلُ المَفسدةَ والمصلحةَ وكيفَ فُهِمَت اليوم من أهلُ التعَالم؟!
هذِه مَسألةٌ يجبُ التَجردُ فِيها مِن أهواءِ وأدواءِ الرياسةِ، ولا بُدَّ مِن تَقريرِ أمورٍ.
أَولُها: أنَّ يكونَ المُمَيِّز شَاهدُ واقعٍ، وعالمُ حالٍ، ليُميِّزَ بينَ المَصلَحَةِ والمَفسدةِ، وإِن كَانَ هَذا الأمرُ مَحسُومٌ إلا أنَّهُ مِن المَحتُومِ أنَّ أُبيِّنَ هَذا الأمر لِلفائدةِ، لأنَّ المَصلَحةَ والمفسدةَ تُقدرُ بِالمُعطِيَاتِ الواقِعيَّةِ، لا بِالظنونِ الوهمِيةِ، والتَصوراتِ والخيَاليَّةِ، والخَبرُ ليسَ كالمُعاينةِ كَمَا أخبرَ الرسولُ الكريمُ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ فَمِنْ هُنَا يَتبَيَّنُ لنَا أنَّ أهلَ الثُغُورِ هُم أَولى بِتقدِيرِ المَصالحِ، وتَميِّزِ المَفاسدِ، والتَرجِيحِ عند تَزَاحُمِ الشَّرَّينِ، وذَلكَ مِن وَجهينِ؛
الوجهُ الأولُ: لأنهم شُهداء وَاقعٍ وحالٍ.
والوجهُ الثَّاني: أنَّ اللهَ تَكفلَ بِهدايتِهم، كَمَا قالَ تَعَالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} ، فَهُم أهلُ الجِهادِ والإحسانِ، وأسعدُ الخَلقِ بهاتينِ الصِّفتينِ، وأَكدَ هذا التَّفسِيرُ مَا جاءَ عنِ ابنِ المُبَاركِ وسُفيانَ رَحمهمَا اللهُ تَعالى قال سُفيان بنٌ عيينة: (إذا اختَلفَ النَّاسُ فَانظروا مَا عَليهِ أهلُ الثُّغُورِ، مَوضع المَخافةِ في بُروجِ البُلدانِ فإنَّ اللهَ قَالَ: فَذكرَ الآيةَ .. ) .
وقَالَ ابنُ المُباركِ: (مَن اعتَاصَت عَليِهِ مَسألةٌ، فَليسأل أَهل الثُّغورِ عَنها لِقولِهِ تَعَالَى {لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} ) .
مَا شَأنُ القُومِ:
فَيَا لَلَّهِ الْعَجَبُ ما شَأنُهم في أمرٍِ لم يَشهدُوهُ، ولم تَغبر أقدَامهم سَاعةً في سَبيلِ اللهِ، ولم يَروا مِن اللهِ تَأيِّدًا مَشهُودًا لِبعدِهم عَن هَذِهِ الكَرامةِ، فَيَا لَلَّهِ الْعَجَبُ مِن قَومٍ سَلَّطُوا أَلسِنتَهم في ذَمِ مَن بَاعوا الحَياةَ لِربِهم، وعُفِّرَت وجُوهُهُم فِي التُرابِ فَضَلًا عَن تَغبِيرِ أقدَامِهِم في سَبيلِ رَبِهم، فَيَا لَلَّهِ الْعَجَبُ مَا هذِهِ الجُرأةَ وَأينَ الحَياءُ مِن اللهِ، فَيَا لَلَّهِ الْعَجَبُ مَاذا لو شَمُّوا روائحَ المِسكِّ مِن الدِّمِاءِ المُنهَمِرةِ، والأشلاءِ المُبَعثَرةِ، فَيَا لَلَّهِ الْعَجَبُ كَيفَ لو رأَوا القُمصَ البَيضَاء فِي السَماءِ؟! هَل يَظُنُّ هؤلاءِ أنَّ طَنِينَهم المَشئوم يُوثِرُ فِي مِثلِ مَن شَاهَدَ وذَاقَ .. لا واللهِ .. لا وَاللهِ .. لا وَاللهِ.
المُنَظِرُونَ وحُظُوظُهم مِن المَعَارِكِ:
أَقبَلوا بِسيوفِ المَصالحِ والمفَاسدِ دَعوَى لا تَقومُ في سُوقِ المُنَاظَرةِ بِحجةٍ، ولا تُؤيدُها قَرينَةٌ مُعتبَرةٌ مِن شَرعٍ قَويمٍ، أو عَقلٍ سليمٍ، لِقطعِ حَبلِ الشَريعةِ السَمحاء، ومُرادِ إِلهِ السَماء، بِقصدٍ أو بِغيرِ قَصدٍ، خَرقوا الِإجمَاعَ، وتَفَردوا بِما لم يُسبَقُوا، وغَمزوا السَلفَ بِخروقَاتِهم الخَرقَاء، وحُجَجِهم البَلهَاء، تَسألُ المُرجِئةَ اللهَ مِنها العَفوَ والعَافيِّةَ فَلا بُدَّ مِن بَيانِ أمرِهم ودَحضِ مَزاعمَهم قُربى وعِبادَة.
شُبهَةٌ والرَّدُ عَليهَا:
هُناكَ مَن يقولُ أن صُلحَ الحُديبيِّةَ كانَ فيهِ دَنِيَّة، وهذا دَليلُ دُفع شَرّ الشَّرَّينِ والرِضَا بِأدنَاهمَا، وجَلب لأعلى المَصلحتينِ.
أقولُ: نَعم ولا خِلاف في هذا ولَكن الأغرارَ مَن أفهَامِهِم يُغزَوا، إِذ لَم يَستطِع هَذا المِسكينُ أن يَتنَبهَ أن صُلحَ الحُديبيِّةَ فِيهِ مَصلحَةٌ عَلِمَها النَبي الكَريم صَلى اللهُ عليهِ وسلمَ وإِن خَفِيت على بِعضِ الصحَابةِ، ولَم يِكن هنُاك ضَياعٌ للدِّينِ بَل على العَكس كَانَ الفَتحُ العَظيم، والمصلحةُ الكُبرى؛ حتى أن الكَُثيرَ مَن العلمَاءِ سمَاهُ فَتحًا، وأمَا مَا كانَ مِن ردِّ مَن جَاء مِن الكُفارِ مُسلمًا فَليس فِيهِ الرفض لِديِنِه، أو عَدمِ إِقرَارِهِ عَليه، أو طَلب الرِدَّة مِنهُ وإِنَّمَا كَانت المُعَاهدة لأمدِها المَعلوم مع بِقاء إسلامِ مَن أسلم - والَمنعُ إِنَّما جَاء لِلهجرَةِ - إلى الرسولِ صلى اللهُ عَليهِ وسَلمَ ولم يَكن المَنع للإِسلامِ، فليتنبه لِهذا الأمر مِن شُبَهِ الأحدَاثِ، إِذ ليسَ هُناكَ ثَمَّةَ مَانِع أن يُسلِمَ أحدٌ ويُخفي إِسلامَهُ إلى فَرجِ اللهِ، وهُنا تَكون المُوازنَةَ بَينَ المصَالحِ والمَفَاسِدِ، ولَيسَ في هَذهِ الحَادثةِ أن يُدَاهِمَ العَدو البِلادَ، ويَجتثَّ الدِيَّانَةَ، ويقتلَ النُفوسَ، ويَنتِهكَ الأعراضَ، فلم يُصَالِحهم النَبيَّ صلى اللهُ عليهِ وسَلمَ عَلى مِثلِ هَذا وَأنَّى يَكونُ ذَلك مِنهُ، وممَّن اهتدى بِهداهِ، إِذ لا مَصلحَةَ مِن وَراءِ هذا، ولا مَفسدةَ أكبر مِنها فَليُعلَم وليُلزَم.
شُبهَةٌ أُخرَى:
وهُنَاكَ مِمَّن زَلَّة قَدَمهُ، وعَظُمَ بِالعُجبِ والتعَالُمِ وَرَمُهُ، مَنْ يقولُ؛ مِن المصلحةِ دَفعُ الكَافِرِ بِنظَامٍ كَافِرٍ.
ومَا عَلِمَ الأستَاذ أنَّ الكُفرَ مِلةٌ واحِدةٌ وإنَّ الديمقراطية شرُّ مِن الصَلِيبِيةِ إِن وُجِدت، ومِن المُؤسِفِ حقًا أن ترى عُقولًا وصلت إلى مرحلةِ الغرغرةِ تُنظِّرُ طَاعةَ وَلِيَّ الأمرِ الدِيمُقراطي، حتى يَنزِعَ السِِّلاح، ويَمسحَ القُدرةَ مِن صُفوفِ المُقاومةِ، وبَعدَها يَطلبِ الشَرعَ بِالدعوةِ تحت ظِلِّ التَنصيِّرِ، وقَمعِ الدِيمقراطية لِكلِ أُصول الدِّينِ، فَيَا لَلَّهِ الْعَجَبُ كم لِسوقِ الحمَاقَةِ مِن مُتسوِقََةٍ؟! وأخَذ يَنقلُ كلامًا لشيخِ الإسلامِ لو رآه رحمَهُ اللهُ تَعالى في هَذهِ القَضيةِ المُقرَّرة لغزَاهُ بِالسيفِ والرُمحِ - أقصِدُ الكَلام - ولَكِن هَذه بِضَاعةُ مَن {ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} ، نَسألُ اللهَ سَلامةَ القَصدِ وحُسنَ النِّيِّةِ.
خَاتِمَةٌ:
أَرجو مِن اللهِ أنَّ يَنفعَ بِهَا الكَاتِبَ، والمكتُوبَ لَهُ، والمُوافِقَ والمُخَالِفَ، ولِيعلَمَ الخَلقُ قَاطِبةً، وعلى رأسِهم أمرِيكا أن ساداتِ الإسلامِ مِن المُجاهِدينَ لن يَتركوا هَذا الأَمر، ولن يتوقفَ إلا بإحدى الحُسنَيَيْنِ المَوت أو الشَهادة.
والحمدُ للهِ بَدَت بَوارِقُ الأمَلِ بِبَسمةٍ عَريضةٍ تُبشرُ بِالنَّصرِ في العِراقِ وأفغانِستان، وإِن أقسَمتُ بِالله لا أحنَث أنَّ النَّصرَ حَاصِلٌ، فَكلُ العَالَمِ قد تَألبَ على العِصابَة المَنصورةِ ولَم يَضرُها ذَلك، وسيستَمِرُّ النزيفُ لِيُكوِّنَ مَجريَانِ، مَجرى يَحملُ سادات الإسلامِ إلى النصرِ أو الجِنانِ، ومجرى يَحمِلُ طغاةَ الكُفرِ إلى الخِزيِ أو الخِزيِ والنِّيرانِ.
أقولُ لِمن أفتَى بِالفِتنةِ، وجَعلَ مِن دَرءِ المَفسدةِ؛ الطاعة للديمُقراطيةِ: أو الصَليبيةِ، سَيأتي اليوم الَّذي لا ترحمُ فيهِ أنَامِلكَ عضًا وكمدًا مِن اللهِ في الآخرةِ، ومِن التَعزِيرِ عند تَنفِيذِ وعدِ اللهِ بِالنَّصرِ لِعبَادِهِ، ويَكفي أن تَعلَمَ أنَّ نَصيبكَ في مَسرحِ القَضيةِ أن تُمثلَ العَاقِلَ المُخذل، والمُرجِفَ المُعطِل، ومَا حَظُكَ مِن عَبَقِ المِسكِ الَّّذي يَجِدهُ الأبطالُ إلا مَا تجِدُ مِن رِيحِ مصيرِ طعَامِكَ.
{واللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}
كَتَبهُ خَادِمُ الإسلامِ تَشرِيفًا لَهُ
ابن القرية الفلاح المعتصم
2 / غرة شهر الله المحرم رجب / 1425 هـ