فهرس الكتاب

الصفحة 265 من 405

الأمة من فتنته

ولذلك فقد اعتنى أئمة السنة والحديث أصحاف التصانيف، بهذا الموضوع مثل الإمام إبن حبان، والدارمي والترمذي والهيثمي ووضعوا أبوابا للأئمة المضلين في تصانيفهم

وقد تكاثرت نصوص الكتاب والسُّنة في التحذير من الأئمة المضلين، والجهلة المتمعلمين، والمتصدرين للفتوى وليسوا من أهلها، ولهذا أمرنا الله - تعالى - بسؤال أهل الذكر خاصة فقال - سبحانه: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ) الأنبياء: (7)

وأهل الذكر هم العلماء الراسخون، الذين شهدت لهم الأمة بالعلم والإمامة في الدين، أما أدعياء العلم، وأنصاف المتعلمين، والمتطفلون على موائد العلماء، فليسوا أهلًا لِأَن يستفتوا ويُصدَر عن رأيهم، وبخاصة في الأمور العامة التي تمس مصالح الأمة.

والنبي صلى الله عليه وسلم يحذر من هؤلاء تحذيرًا شديدًا فيقول:

(إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبقِ عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فسألوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا)

ويؤكد ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حين حذر من فتنة الخوارج، وأمر بقتلهم، بيَّن أنهم إنما أُتوا من قِبَل جهلهم، وقلة فقههم، فجنوا على أنفسهم وعلى أمتهم، ولم يشفع لهم حُسْن نيتهم، وسلامة قصدهم، وكثرة عبادتهم؛ فعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال:

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

(سيخرج في آخر الزمان قوم حُدثَاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميَّة، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم عند الله يوم القيامة)

ومن المعروف أنه كلما تقادم الزمان، وبَعُد الناس عن عهد النبوة، كثر جهلهم، وقلَّ فقههم، ورقَّ دينهم، وتصدوا لما لا يعنيهم، وخاضوا في ما ليس من شأنهم، وتكلم الجهلة والغوغاء، والمنافقون وأهل الأهواء في مصالح الأمة وقضاياها العامة

فلبَّسوا الحق بالباطل، واستحلُّوا الحرمات، ووقعوا في المنكرات، واتبعوا الأهواء والشهوات، وتجرؤوا على حِمَى الشريعة، وحرماتها المنيعة، وهذا من أشراط الساعة، التي نبَّه عليها نبينا صلى الله عليه وسلم في قوله:

(إن بين يدي الساعة سنين خداعة، يصدَّق فيها الكاذب، ويكذَّب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة. قيل: وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة)

وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

(إن من أشراط الساعة أن يُرفَع العلم، ويظهر الجهل، ويفشو الزنى، ويُشرَب الخمر، ويذهب الرجال، وتبقى النساء، حتى يكون لخمسين امرأة قيم واحد)

وقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من هؤلاء المحرِّفين للكتاب والسُّنة، والمتبعين للمتشابهات ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويل كلام الله على غير مراده

عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَت: «تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هَذِهِ الْآيَةَ:

{هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} آل عمران: (7)

قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:

(فَإِذَا رَأَيْت الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ، فَأُولَئِك الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ)

وقال صلى الله عليه وسلم: (يحمل هذا العلم من كل خَلَف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين)

قال ابن القيم::

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت