وكلُّهم حجُّهم معوجُّ ... الحمد لله القائل في محكم كتابه: (( ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون ) ).
والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وحجة على المخالفين، نبي الرحمة والملحمة، القائل: (( بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله تعالى وحده لاشريك له ... ) ).
أما بعد:
فلا يزال تخبط الشيوخ والعلماء في نظرتهم للأحداث مثار عجب لدى المتابعين من طلبة العلم بل حتى من بعض عوام الناس خاصة أولئك الشيوخ الذين كانت لهم مواقف مشرفة قبل سنوات تجاه أعداء الإسلام وأذنابهم من المنافقين.
ومن صور التخبط، بل قل الانتكاس، في الفهم والرأي والمواقف، ما قرأنا منذ بدء أحداث سبتمبر من تصريحات وفتاوى وبيانات لبعض المنتسبين للعلم الشرعي، فيها تمييع صريح لقضايا كانت من المسلمات عند هؤلاء الشيوخ أنفسهم وعند عامة طلاب العلم.
فمن تلك المسلمات مثلًا:
1)تحكيم الإسلام في كل شئون الحياة: ومنها علاقة المسلم مع غيره من المسلمين التي تقوم على الأخوة والولاء والنصرة في الحق في العسر واليسر والسراء والضراء، كما جاء في النصوص الشرعية المحكمة، كقوله تعالى: (( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) )،. وقوله: (( أشداء على الكفار رحماء بينهم ) ).
وكقوله صلى الله عليه وسلم: (( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ) )، وكقوله (( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ... الحديث ) ).
إلى غيرها من النصوص المحكمة الواضحة.
وأما علاقة المسلم مع غيره من أعداء الدين من الكفار الملحدين واليهود والنصارى والمنافقين وأعوانهم وأشياعهم، فالأصل فيها العداوة والبغضاء والبراءة والجهاد والقتال والغلظة خاصة مع المعادين المحاربين منهم.
وهذا لا ينافي القسط والعدل والبر بذوي القربى منهم ممن لم يظهر منه عداء ولا محاربة لمسلم ولا إعانة للكفار المحاربين على المسلمين بأي نوع من أنواع الإعانة والنصرة.
2)كفر تولي الكفار والتحاكم إلى قوانينهم وأعرافهم: ومنها لجنة العدل الدولية ومجلس الأمن وغير ذلك.
3)الدعوة إلى الجهاد في سبيل الله وإعداد العدة لذلك: وإذا أطلق الجهاد في القرآن والسنة وفي المصنفات الإسلامية فالمقصود به الجهاد بالسلاح، أما تأويل الجهاد بصرفه إلى جهاد الدعوة والكلمة وغير ذلك مما دأب بعض المتخاذلين من الشيوخ على ترديده في بياناتهم وتصريحاتهم، فهذا من تحريف الكلم عن مواضعه وتلبيس الحق بالباطل.
4)ومن المسلمات أيضا أن علماء المسلمين ودعاتهم وشيوخهم متبوعون في الحق لا تابعون لغيرهم من الرؤساء والأمراء:
وهذا الأمر أراه انعكس اليوم لدى كثير من العلماء، فتجدهم منقادين لآراء واجتهادات غيرهم من الرؤساء، خاصة في القضايا العظام وفي مسائل السلم والحرب والعلاقات الدولية وطرق التعامل مع الكفار.
ومعلوم - قطعًا - أن سنة الأولين من علماء سلفنا الصالح كانت بخلاف ما عليه أكثر الشيوخ اليوم، إذ كانوا يقودون الأمة، بما فيهم الأمراء والرؤساء، في كل صغيرة وكبيرة تتعلق بالدين، وكانوا يعلنون مخالفتهم لأهواء السلاطين.
لم يكن سهلًا على الحجاج بن يوسف - الطاغية المعروف - أن يأمره عبدالملك بن مروان أن يقتدي بابن عمر رضي الله عنهما في أحكام الحج، ومع ذلك امتثل مرغمًا لذلك الأمر، والقصة مشهورة رواها البخاري وغيره.
ولا تقتصر إمامة العالم للأمة في العبادات والمعاملات الخاصة، بل تشمل جميع الأمور المتعلقة بالدين، كالسياسة الخارجية وأمور السلم والحرب وعلاقات الدول.
ومعلوم أنه كان للأمراء والرؤساء اجتهادات وآراء وأهواء وكانوا يطلبون من العلماء موافقتهم عليها، كما في قصة عبدالملك بن مروان مع الصحابي الجليل غضيف بن الحارث رضي الله عنه لما سأله عن القصص - أي الموعظة - ورفع الأيدي على المنابر، فقال غضيف: (( إنهما لمن أمثل ما أحدثتم وإني لا أجيبك إليهما .. ) ) [رواه اللالكائي في السنة: ص 90] .
موقف آخر من مواقف الصحابة، أصح من هذا، وهو موقف الصحابي أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وكان ممن اعتزل الفتنة بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، فقد أرسل مولاه حرملة إلى علي بن أبي طالب وقال له: (( إنه سيسألك الآن فيقول؛ ما خلًّف صاحبك؟ فقل له؛ يقول لك لو كنت في شدق الأسد لأحببت أن أكون معك فيه، ولكنّ هذا أمر لم أره ) ) [رواه البخاري، انظر الفتح: 13/ 62]
قلت: ولا يخفى ملازمة أسامة لعلي وقربهما من بيت النبوة، ثم لا توجد في تلك الفتنة قيادة أعلى وأجل من قيادة خليفة المسلمين في الأرض علي بن أبي طالب، ومع ذلك لم ير أسامة الدخول معه فيها.
والآن تسمع من أفواه الشيوخ وتقرأ في بياناتهم عبارة (( لزوم الالتفاف حول القيادة ) )!! يكررونها، وكأن قيادات الأمة معصومة من الخطأ والزلل والردة.
عجب! هل نسخت الأحداث النصوص الصريحة في أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق؟!
ولو ذهبت أستقرئ مواقف السلف في مخالفة أهواء أمرائهم لطال بنا المقام، ولا أظنني بحاجة إلى ذلك، فإني أكتب مقالي هذا نصيحة للعلماء ولطلاب العلم، وهم لا يخفى عليهم مثل ذلك، بل إني أظن أن منهم من يحفظ أضعاف أضعاف ما أحفظه من تلك المواقف السلفية.
وبعض من أقصده في مقالي هذا كانت له مواقف شبيهة بمواقف الأئمة السابقين، لكنه بدل وغيَّر وانقلب على عقبيه، نسأل الله الثبات على الحق حتى نلقاه.
ولعل بعض الناس يستبعد أن ينتكس من يعظمه من الشيوخ، وينسى أن قلوب العباد بين أصبعين يقلبها الله كيف يشاء، وأن الصحابة الكرام خاطبهم الرب سبحانه بقوله: (( من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ... الآية ) )، وقال فيهم: (( وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم ثمّ لايكونوا أمثالكم ) ).
وفي الحديث المشهور: (( ... فأقول؛ أصيحابي أصيحابي، فيقال؛ إنك لاتدري ما أحدثوا بعدك .. ) ).
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: (( لا يقلدن أحدكم دينه رجلًا، إن آمن آمن وإن كفر كفر، فإن كنتم لابد مقتدين فبالميت، فإن الحي لايؤمن عليه الفتنة ) ) [انظر السنة للالكائي ص93] .
قلت: فهذه نصيحة ابن مسعود رضي الله عنه لعلماء زمانه، ومنهم صحابة وتابعون، فماذا يقول شيوخ زماننا المتعصبون لرؤسائهم وأحزابهم؟
جماعةٌ إن حجّ عيسى حجوا
وقال معاذ رضي الله عنه: (( ... وأحذركم زيغة الحكيم فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق .. ) ) [رواه أبو داود] .
وقال حذيفة رضي الله عنه: (( اعلم أن الضلالة حق الضلالة أن تعرف ما كنت تنكر وأن تنكر ما كنت تعرف وإياك والتلون في دين الله تعالى فإن دين الله واحد ) ) [انظر السنة للالكائي ص90] .
قلت: ما أكثر المتلونين في زماننا، نسأل الله الثبات على الحق والسنة حتى الممات.
والنصوص والآثار والحوادث في تقرير ذلك لاتخفى على طالب علم، ولا أعلم أحدًا يجادل فيها، لكن عند تطبيقها على الواقع تجد كل طائفة تتعصب لشيوخها ومعظميها وتستنكف أن يوصفوا بالضلال والخطأ وأن يرد عليهم، وليت شعري أليس بعض هؤلاء"المثقفين"كانت له صولات وجولات تخالف ماهو عليه الآن، وكان يرد على العلماء الرسميين"الكبار"في مسائل كثيرة؟!
أفيكون الرد على أولئك مباحًا بل مستحبًا ومفروضًا، والرد على هؤلاء ممنوعًا ويسبب فتنة وتفريقًا في"الصف"؟ (( ما لكم كيف تحكمون ) ).