فهرس الكتاب
الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ (86) ... )) .
صدق الله العظيم
(سورة البقرة)
* التحليل:
وتتواصل رحلتنا القرآنية مع الحقائق الربانية النورانية السامقة التي ساقها لنا رب العزة كي نعرف عدونا من صديقنا وكي نتخذ طريقنا الإيمانية السالكة بحول الله .. إن ادعاءات بني إسرائيل وأكاذيبهم أكثر من أن تحصى وأن تعد .. ولذلك فقد خصص لهم الله سبحانه وتعالى جزءا هاما من القرآن الكريم لكشف المغطى من أسرارهم وبيان زيف أكاذيبهم التي لا تنطلي على كل حصيف .. ومن ضمن أكاذيبهم على الله سبحانه وتعالى ادعاءهم أن النار لن تعذبهم إلا بضعة أيام .. تقليلا من همومهم المتكاثرة ومعاصيهم المتعددة التي لا تدخل تحت حصر .. الآيات الكريمة جاءت لتفضح هذا الإدعاء وتقدم الحقيقة الدامغة: (( ... وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَاتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ(80) ... )).. وهذا من أعجب العجب لأنه لا يعلم الغيب إلا الله .. ولأن الله سبحانه وتعالى لم يعط أحدا عهدا بذلك .. فلم التجرؤ على المولى عز وجل؟ .. (( بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(81) ... )).. المسألة واضحة لا تقبل النقاش .. فأنت وما كسبت .. وإنما هي أعمالنا يحصيها لنا الله عز وجل ونحن في غفلة من أمرنا .. ولكن الخلود لمن أصر وكابر وعاند .. خلد خلودا: مكث وأقام .. وهذا يفند مزاعم بني إسرائيل من محدودية عذابهم يوم القيامة .. هل يجزع المؤمن من شيء؟ .. المؤمن آمن يوم القيامة .. لأنه يدرك أنه يعبد ربا واحدا لا شريك له ويطيعه فيما أمر ونهى ويرجو ثوابه .. آمن بأن وعد الله حق لا يتخلف .. (( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(82) ... )).. وتأملوا المقابلة والمقارنة المدهشة بين أهل الكفر وأهل الإيمان في السياق القرآني حتى يكون المؤمن مطمئنا ماضيا في تطبيق دينه دون خوف أو تردد .. ولكن بماذا أمر الله سبحانه وتعالى بني إسرائيل ثم عصوا معاندين ومكابرين ومصرين على الخطأ؟ .. إن الدين واحد من آدم إلى قيام الساعة .. إن الدين يتلخص في عبادة الله الواحد لا شريك له .. وفي تطبيق ما يأتي به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .. وبالتالي فإن ما أمر الله بني إسرائيل لا يخرج عن هذا الإطار .. ولذلك قال الله عز وجل فيما بعد (( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ(83) ... )).. أمرهم بما أمر به في كل دين التوحيد والصلاة والزكاة .. والإحسان للوالدين والعمل الصالح مع كل الناس وحسن الخلق .. ولكنهم ابتعدوا ونأوا .. وأصروا على الكفر والعصيان .. هذا في حالة السلم أما في حال الحرب .. فقد اشرط عليهم: (( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ(84) ... )).. كل شيء بعهد وميثاق .. كل شيء بينه لهم رب العزة حتى تكون حياتهم مستقيمة .. لا عوج فيها .. ولا ظلم .. هل أوفوا بالعهد؟ .. كلا وألف كلا .. (( ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاَء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَتَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(85) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ (86) ... )). وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى: قال أبو جعفر: فمن قرأ ذلك: {وإن يأتوكم أسرى} ، فإنه أراد جمع الأسير، إذ كان على"فعيل"على مثال جمع أسماء ذوي العاهات التي يأتي واحدها على تقدير فعيل، إذ كان الأسر شبيه المعنى في الأذى والمكروه الداخل على الأسير ببعض معاني العاهات؛ وألحق جمع المستلحق به بجمع ما وصفنا، فقيل أسير وأسرى، كما قيل مريض ومرضى وكسير وكسرى، وجريح وجرحى. .. فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ والخِزْيُ: