فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 218

و القول بالتخليد المُؤبد لمرتكب الكبيرة في النار يجعله كافرا لا يختلف عن الكفار في النهاية، و لا معنى من القول بأنه في منزلة بين المنزلتين. و إما إذا قيل: بل يختلف عن الكافر في درجة العذاب. قيل: إن هذا التباين موجود بين الكفار أنفسهم، فهم ليسوا في درجة واحدة من العذاب، بل هم في ذلك حسب أعمالهم. و اختلاف هؤلاء في درجة العذاب لا يُغير من الحقيقية النهائية شيئا، هي أن الجميع مُخلّد في النار تخليدا مُؤبدًا. ففي الشرع لا توجد منزلة بين المنزلتين، و إنما توجد الجنة أو النار، و الجنة مراتب و درجات من جهة النعيم، و في جهنم دركات من جهة العذاب. و لا يصح عقلا و لا شرعا أن ننزع عن المسلم العاصي صفة الإسلام كليةً، ما لم ينقض أصوله اعتقادا و عملا؛ لأن المسلم مهما كان انحرافه فهو يختلف عن الكافر من جهة اعتقاده. و عليه فلا يصح أن نسوي بينه و بين الكافر بأن نخلده معه في النار تخليدا أبديا. فهذا ظلم و إجحاف، و الله تعالى مُنزه عن ذلك.

و أخيرا- رابعا - إن تأويل الزمخشري بأن شفاعة النبي -عليه الصلاة و السلام- تخص التائبين من المسلمين و لا تشمل مرتكبي الكبار، هو تأويل فاسد و باطل و فيه تغليط و تحريف. لأن أحاديث الشفاعة نصت صراحة على أن الشفاعة تكون عامة تشمل كل عصاة المسلمين، فلا هي خاصة، و لا مُقيدة بشروط. لكنها لا تمنع من دخول بعضهم جهنم، فإن منهم من يدخلها ثم يُشفع فيه لقوله عليه الصلاة و السلام: (( أقول: يا رب أمتي أمتي فيقول: انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان، فأنطلق فأفعل، ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا فيقال: يا محمد ارفع رأسك، وقل يُسمع لك، وسل تُعط واشفع تُشفع فأقول: يا رب أمتي أمتي فيقول: انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان فأخرجه. فأنطلق فأفعل، ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا؛ فيقول: يا محمد ارفع رأسك، وقل يُسمع لك، وسل تعط، واشفع تُشفع فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقول: انطلق، فأُخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان، فأُخرجه من النار فأنطلق فأفعل ... ثم أعود الرابعة فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا، فيقال: يا محمد ارفع رأسك، وقل يُسمع، وسل تُعطه واشفع تُشفع فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله فيقول: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت