فهرس الكتاب
مُسبق تنطلق منه. و من جهة أخرى فإنه لا يُمكن للعلوم أن تتطور إذا لم تطلب اليقين، و في طلبها له تستخدم الشك انطلاقا من اليقين.
و ثانيا إن الرجل بذلك الموقف خالف الشرع من جهتين: الأولى مفاده أن الشرع مدح اليقين و أهله و حث على طلبه، كما في قوله سبحانه: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} البقرة 2 - ،و {قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} البقرة 118 - (( ألم ذلك الكتاب لا ريب ... يُوقنون ) )،و (لقوم يوقنون ) ) ، و {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} الحجرات 15 - . و الجهة الثانية مفادها أن الله تعالى وصف الكفار و الضالين بإتباع الظن و عدم اليقين و الاستقرار، و تقليب أحوالهم و ذمهم بها. كقوله: {وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} النجم 28 - ، {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} الجاثية 24 - ،و {وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} التوبة 45 - (( و ما لهم بذلك من علم إن هم ) )، و {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} الأنعام 110 - ،و {لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} الحج 53 - .
و ثالثا إن الشك الذي فضله إبراهيم النَظّام ليس هو الشك العلمي الذي له مبررات صحيحة تدعوا إليه من أجل الوصول إلى الحقيقة، و ليس هو من أجل الشك. فالشك العلمي ينطلق من اليقين بواسطة الشك طلبا ليقين لا يعرفه، ليصل الإنسان إلى اليقين فتستقر نفسه و تسعد به من جهة، و يبني عليه علومه و يُطوّرها و يُسخّرها لصالح الإنسان من جهة أخرى. و أما الشك الذي دعا إليه النظام و فضّله فهو شك عبثي من أجل الترف الفكري، الذي يهدم العلم أكثر مما يبنيه، و يُضيع الأوقات و الجهود من أجل الشك و الحيرة، لا من أجل اليقين و السعادة و الاستقرار، و تطوير العلوم. و من يفعل هذا و يدعوا إليه فهو إنسان مريض، و عدو لنفسه و للعلم.
علما بأن الباحث الذي يُمارس الشك العلمي مُنطلقا من اليقين و طالبا له بممارسته للشك العلمي، يختلف اختلافا جذريا عن الباحث الذي حاله