[23] وفي قوله تعالى: / قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ /مَلِكِ النَّاسِ /إِلَهِ النَّاسِ /مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ /الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ /مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ / أمر الله عز وجل بالاستعاذة برب الناس ملك الناس إله الناس، هذه كلها أسماء وصفات لله عز وجل، وفيها أنواع التوحيد الثلاثة، توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات.
استعذت بالله وبهذه الأسماء والصفات، استعذت من شر الوَسواس وهو الشيطان، أما الوِسواس بالكسر فهو مصدر وَسْوَسَ يُوَسْوِسُ، أما الوَسواس فهذا اسم من أسماء الشيطان؛ لأنه يوسوس للإنسان ويخيل إليه، ويشغله من أجل أن يلقي في قلبه الرعب والتردد والحيرة في أموره، خصوصًا في أمر العبادة، فإن الشيطان يوسوس للإنسان في العبادة حتى يلبس عليه صلاته أو عبادته، ثم ينتهي به الأمر إلى أن يخرج من الصلاة ويعتقد أنها بطلت، أو يصلي ثم يعتقد أنه على غير وضوء، أو أنه ما قام لكذا أو أنه ما فعل كذا، ويصبح في وسواس ولا يطمئن إلى عبادته.
فالله جل وعلا أعطانا الدواء لهذا الخطر وذلك بأن نستعيذ بالله من شر هذا الوسواس.
الخناس: الذي يتخلف ويبتعد، فهو يوسوس إذا غفلت عن ذكر الله، ويخنس، أي: يتأخر إذا ذكرت الله عز وجل، فهو وسواس مع الغفلة، وخناس عند ذكر الله عز وجل.
/ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ /مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ /: كأن المعنى - والله أعلم - أنه هناك موسوسين من الجن ومن الإنس يوسوسون للناس، يأتون الناس ويشككونهم، فكما أن للجن شياطين يوسوسون فكذلك للإنس شياطين يوسوسون، فأنت تستعيذ بالله من شر القبيلين.
ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: /ما تعوذ متعوذ بمثلهما / [1] أي: هاتين السورتين فينبغي للمسلم أن يقرأهما في أدبار الصلوات ويكررهما ويقرأهما عند النوم مع آية الكرسي وسورة الإخلاص.
يقرأ آية الكرسي، وسورة الإخلاص والمعوذتين، يقرؤهما دبر كل صلاة ويكررهما ثلاثًا بعد المغرب وبعد الفجر، وكذلك يقرؤهما عند النوم من أجل أن يبتعد عنه الشيطان فلا يكدر عليه نومه ويزعجه بالأحلام.
الشاهد من هاتين السورتين أن الله أمر بالاستعاذة به وحده فدل على أن الاستعاذة بغيره من الجن أو من الإنس أو من أي مخلوق أنه لا يجوز؛ لأنها نوع من أنواع العبادة.
(1) أخرجه أبو داوود (1463) ، والنسائي 8/ 253، وأحمد 28/ 530 (17297) مِن حديث عقبة بن عامِر رضي الله عنه.