فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 137

قالوه، ولكن لا بد للمفتى والحاكم -أى القاضي- من نظر سديد واشتغال كثير، ومعرفة بالأحكام الشرعية، والشروط المرعية) [1] .

يعنى أنه لا يصح قبول الفتوى - في هذا الباب - تغير الأحكام بتغير الأعراف - إلا للراسخين من العلماء - لا لكل من لبس لبوسهم، وإن لم ترسخ قدمه في الفقه.

وبناء على هذا جاءت مجلة الأحكام العدلية، التي احتوت القانون المدنى للدولة العثمانية في عصرها الخير، مأخوذا من المذهب الحنفي، والتي كانت لا تزال تطبق في الكويت والأردن إلى سنين قريبة، لتثبت في إحدى موادها هذه العبارة: (لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان) [2] .

ولى على صياغة العبارة بعض الملاحظات:

1 -كان ينبغى إضافة تغير الأمكنة والأحوال والعوائد، كما ذكر ذلك الإمام ابن القيم، وكما نبه على ذلك الأستاذ الدكتور صبحى محمصاني في كتابه (فلسفة التشريع الإسلامي) .

2 -كان ينبغى تقييد الأحكام بالبعضية كما فعل ابن عابدين، حيث جعل عنوان رسالته (نشر العرف في أن بعض الأحكام مبناه على العرف) .

3 -وقد يغنى عن هذا لو وصفت الأحكام بكلمة (الاجتهادية) فهذا أحوط وأدق، وإن كان ذلك ملحوظا ومفهموما.

بيد أن الاحتياط في الصياغة واجب، خشية أن يفهم بعض الناس إمكان تبدل الأحكام بصفة مطلقة، كما نادى بذلك بعض الذين لا حظ لهم من فقه الشريعة.

وقد خرج ابن القيم من هذا المأزق حين عبر بـ (تغير الفتوى) لا بـ (تغير الأحكام) .

وهذا في الحقيقة أدق، وأصح تعبيرا عن المراد هنا؛ لأن الحكم القديم باقٍ إذا وجدت حالة مشابهة للحالة الأولى. وإنما الفتوى هي التي تغيرت بتغير مناط الحكم.

وهذا ما نبه عليه الفقيه العلامة الشيخ على الخفيف، معقبا على الأشياء التي جوزها متأخرو الحنفية، والتي تذكر عادة كأمثلة على تغير بعض الأحكام وتبدلها بتغير الأعراف وتبدل الأزمان. قال الشيخ رحمه الله:

(الواقع أن مثل هذا لا يعد تغييرا ولا تبديلا إذا ما روعي في كل حادثة ظروفها وملابساتها، وما لتلك الظروف والملابسات من صلة بالحكم الذي جعل لها، إذ الواقع إن الفقيه أو المجتهد إذا ما عرضت عليه مسالة من المسائل راعى ظروفها وملابساتها والوسط التي حدثت فيه، ثم استنبط لها الحكم المتفق مع كل هذا.

فإذا تغير الوسط، وتبدل العرف الذي حدثت فيه الواقعة، تغيرت بذلك المسألة وتبدل وجهها، وكانت مسألة أخرى اقتضت حكما آخر لها. وهذا لا ينفى أن المسألة السابقة بظروفها لا زالت على حكمها، وأنها لو تجددت بظروفها ووسطها لم يتبدل حكمها.

فأخذ الأجرة على تعليم القرآن في وسط يقوم أهله بتعليمه احتسابا لوجه الله، وطاعة له: غير جائز في كل مكان، وفى كل زمان. وأخذ الأجرة على تعليمه في وسط انصرف أهله عن تعليم القرآن والدين إلا بأجر: أمر جائز في كل زمان ومكان ... ) [3] .

وهذا ما يؤيد ما ذكره ابن القيم من أن الفتوى هي التي تغيرت، وليس الحكم الشرعى، فيجوز أن يعود الحكم السابق - كما قال شيخنا الخفيف رحمه الله - إذا عادت نفس الظروف الأولى أو ظروف تشبهها.

وذلك مثل تبعية الزوجة لزوجها في حالة الاغتراب عن بلده، فقد ألزم بذلك المتقدمون من الفقهاء؛ لانتشار الثقة والطمأنينة بين الناس، فلما تغيرت أحوال الناس وأخلاقهم، وأصبح بعض الرجال يتسلطون على زوجاتهم في الغربة بالإساءة والإيذاء، ولا تجد الزوجة من يدافع عن حقوقها، ويحميها من طغيان زوجها، وهي بعيدة عن

(1) - رسالة نشر العرف"ضمن مجموعة رسائل ابن عابدين" (2/ 125) .

(2) - المادة (39) من المجلة.

(3) - محاضرات في أسباب اختلاف الفقهاء صـ 257.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت