فهرس الكتاب
الْكَافِرِينَ، وما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة / أن رسول الله / قال: (( لا تبدؤوهم بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه ) )ونحوها من النصوص.
والجواب: أن حسن المعاملة لا يتنافى مع بقاء العزة الإيمانية؛ يوضح ذلك أن منصب الإسلام أعلى من منصب الكفر بالله، وفي إذلال المرء لنفسه لمن هو دونه تهوين من شأن منصبه، وتصغير للحق الذي يحمله، والعقل والفطرة لا يستسيغان ذل صاحب المنصب الأعلى لمن هو دونه في المرتبة، وإن كانا لا يمانعان من حسن التعامل معه، ويمكن تقريب الصورة-مع وجود الفارق-لو أن حاكما قدم أحد العوام الوضعاء ذا طمرين ليسبقه في دخول الباب!!، فلن يستساغ منه هذا التصرف عند عامة الناس؛ لما تقرر في عقولهم من البون الشاسع بين منصبيهما، مع أنها مناصب دنيوية فانية لا تساوي جناح بعوضة، وهي في حقيقتها تكليف لا تشريف، لكن لما تمكن الفرق الشاسع في العقول لم تستسغ تقديم ما يظنونه وضيعا على الحاكم؛ لأن فيه-لمن تمكن عنده الفرق بينهما- تهوين من منصب الحاكم، وحط من قدره، بخلاف ما لو ابتسم في وجه ذلك العامي الوضيع، ومدحه وأحسن وفادته، فسيعد الحاكم متواضعا ولو لم يقدمه عليه!! بينما يستساغ في عرفهم أن يفعل مثل ذلك مع حاكم آخر لاستوائهما في المنصب والمقدار، بل ويعد من حسن الخلق ويثنى على صاحبه بالتواضع، وكل هذا في تفاوت دنيوي لم يُنِط به الشرع شرفا ولا كرامة، فكيف إذا كان التفاوت بين المنصبين حقيقيا وكبيرا كالمنصب الإيماني والمنصب الكفري؟ فالكافر-في ميزان العدل- منصبه في غاية الوضاعة؛ لجحوده وظلمه وباطله وغير ذلك، ومنصب المؤمن -في ميزان العدل - في غاية الرفعة والكرامة؛ لعدله وما يحمله من حق، ومن تقرر لديه هذا المعنى فلن تستسيغ فطرته وعقله أن يذل المؤمن صاحب المنصب الرفيع لمن هو دونه في المنصب ممن كفر بالله تعالى، بينما لا يمنع المؤمن- صاحب المنصب الرفيع- أن يتعامل معاملة حسنة مع الكافر- صاحب المنصب الوضيع -؛ لأنه ليس في حسن معاملته غض من منصب المؤمن، ولا حط من مقداره، بينما يستحب الذل بين المتساوين في المنصب والمقدار حقيقة، ولما كان المؤمنون يتربعون على نفس المنصب الإيماني كان ذل بعضهم لبعض وتقديم بعضهم لبعض مما يحمدون عليه كما قال تعالى:/فَسَوْفَ يَاتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ/. وقياس ذلك أن ذل الكافر لمن هو مثله مستساغ شرعا وعقلا لاستوائهما في المنصب والمقدار!!