الإرث، وهو ما زاد على الثلث!! فهل يكون جهل هذا الموصي حال الوصية التي على تلك الصفة مُحِلاًّ لمال وارثه؟ وما ذنب هذا الوارث المشوم حتى استحقَّ الغرم الثقيل؟ وما الذي حلّل ماله بدون طيبة نفسه؟ ولا دليل شرعي إنْ قلتم الجهل من أحد الثلاثة، فنقول: أمَّا الوصي الذي أوصى بزيادة على الثلث، فكيف يكون هذا الجهل حجة عندكم مع ورود الأدلة الصحيحة الصريحة بالمنع من الزيادة على الثلث، وأنه لا حقّ للموصي فيها، وأمَّا الوصي الذي استأجر بزيادة على الثلث، فهو وإن كان غير مسألتنا؛ لأنّ المستأجر فيما نحن بصدده الموصي، فلا يحل أخذ مال الوارث لمجرد جهله، بلى إن وقع من تغرير، أو تدليس، فتغريره وتدليسه على نفسه، وفي ماله، ولا يكون:
كَذي العُرِّ يُكْوَى غَيْرُهُ وَهوَ راتِعُ [1]
وأمَّا جهل الأجير لزيادة أجرته على الثلث، فجهله لا يحلل له مال غيره، مع كونه لم يعمل له، ولا بأمره، فإن قلت: قد ورد الأمر بتسليم الأجير أجره [2] ، وإيفائه الأجر، قلت صحيح ما ذكرت، ولكن مَن المأمور بهذا التسليم والإيفاء هل المستأجر؟ فقد صار فيما نحن بصدده في الثلث، وقد علمنا كما أُمرنا، فأخرجنا هذا الثلث إلى الوجوه التي أوصى بها الموصي، وخحصصناه بينها كما أُمرنا، وإنْ قلت المأمور بذلك غير المستأجر، فمن هو؟ فإن قلت: هذا الأجير المنقوص من الأجر المسمّى له على فرَض جهله بكونه زائدا على الثلث مظلوم، قلت: الأمر كما ذكرت، وعند الله تلتقي الخصوم، فإن كان الموصي الذي عقد له الإجارة المضافة إلى بعد الموت بزيادة على الثلث؛ عالما بكونها كذلك زائدة/ وعالما بأنّ نفوذ أجرة الحج من الثلث، فقد ظلم الأجير مظلمة، لا يمكن 24 أ الانتصاف منه بها؛ لأنه قد صار في عالَم آخر، ولا مال له، فتعذّر الانتصاف للمظلوم من بدن الظالم، ومن ماله، [وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى] [3] ، وإن كان جاهلا؛ لكون تلك الأجرة مجاوزة للثلث، أو عالما بالمجاوزة، غير عالم بكون مخرجها من الثلث، أو عالمًا بالأمرين، غير عالم بأنه لا حقّ له في الثلثين الآخرين، فليس عليه من تلك الظلامة شيء في الدار الآخرة، وأمَّا في دار الدنيا، فقد ذهب منها مستغرقا للثلث الذي أذن له به الشارع، ففات الانتصاف منه بذلك.
هذا ما جرى به القلم في نصف ليلة الجمعة المباركة،
(1) عجز بيت من الطويل للنابغة الذبياني، والبيت بتمامه
لَكَلَّفتَني ذَنبَ اِمرِئٍ وَتَرَكتَهُ ... كَذي العُرِّ يُكوى غَيرُهُ وَهوَ راتِعُ
قال الزمخشري في المستقصى في أمثال العرب، ص 927:
العر الجرب، تزعم العرب أن الإبل إذا فشا فيها الجرب فكوى بعير صحيح قدَّامها وهى تنظر إليه برأت كلها، ويروى: العر - بالضم وهو قروح تخرج بمشافرها، يضرب للمعاقب بذنب غيره.
(2) أورده البيهقي في السنن الكبرى 6 أ 120 / م:
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رِفَاعَةَ الْقَاضِى عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «أعْطُوا الأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ وَأَعْلِمْهُ أَجْرَهُ وَهُوَ فِى عَمَلِهِ» .
(3) القصص 60، والشورى 36