فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 136

ثم قال: (( وطبعه حار رطب ، وله من السن الطفولية والحداثة ، ومن الأخلاط الدم ، ومن القوى الهاضمة ، وفيه تتحرك الطبائع ، وتظهر المواد المتولدة في الشتاء ، فيطلع النبات وتزهر الأشجار وتورق ، ويهيج الحيوان للسفاد ، وتذوب الثلوج ، وتنبع العيون ، وتسيل الأودية ، وأخذت الأرض زخرفها وازينت ، فتصير كأنها عروس تبدت لخطابها وفي مصبغات ثيابها ، ويقال: إذا نزلت الشمس رأس الحمل تصرم الشتاء وتنفس الربيع ، واختالت الأرض في وشيها البديع ، وتبرجت للنظارة ، في معرض الحسن والنظارة .

ومن كلام الوزير المغربي: لو كان زمن الربيع شخصا لكان مقبلا ، ولو أنَّ الأيام حيوان لكان لها حليًا ومجللا ، لأن الشمس تخلص فيه من ظلمات حوت السماء ، خلاص يونس من ظلمات حوت الماء ، فإذا وردت الحمل وافت أحبَّ الأوطان إليها ، وأعزَّ أماكنها عليها . وكان عبدوس الخزاعي يقول: من لم يبتهج بالربيع ولم يستمتع بأنواره ، ولا استروح بنسيم أزهاره ، فهو فاسد المزاج محتاج إلى العلاج )) .

ثم قال: (( وقد أطنب الناس في وصف هذا الفصل ومدحه ، وأتوا بما يقصر عن شرحه ، وتغالى الشعراء فيه غاية التغالي ، وفضلوا أيامه ولياليه على الأيام والليالي . وما أحلى قول أبى عبادة البحتري:

أتاك الربيعُ الطلقُ يختال ضاحكا من الحسن حتى كاد أن يتكلما

وقد نبَّه النيروزُ في غسق الدجى أوائلَ وردٍ كُن بالأمس نُوَّما

يُفتِّحها بردُ الندى فكأنما يبث حديثًا كان أمسِ مكتَّما

ومن شجرٍ ردَّ الربيعُ رداءَه عليه كما نشَّرت وشيًا منمنما

أحلَّ فأبدى للعيون بشاشةً وكان قذىً للعين إذ كان مُحرما

ورقَّ نسيمُ الريح حتى كأنما يجيء بأنفاس الأحبَّة نُعَّما )) اهـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت