الصفحة 30 من 59

(48) سورة النساء. فَإِنَّ الْإِشْرَاكَ إذَا لَمْ يُغْفَرْ وَأَنَّهُ مُوجِبٌ لِلْخُلُودِ فِي النَّارِ لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ حُبُوطُ حَسَنَاتِ صَاحِبِهِ (1) ، وَلَمَّا ذَكَرَ سَائِرَ الذُّنُوبِ غَيْرَ الْكُفْرِ لَمْ يُعَلِّقْ بِهَا حُبُوطَ جَمِيعِ الْأَعْمَالِ ، وَقَوْلُهُ: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} (28) سورة محمد. لِأَنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ ، وقَوْله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} (2) سورة الحجرات، لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَتَضَمَّنُ الْكُفْرَ فَيَقْتَضِي الْحُبُوطَ وَصَاحِبُهُ لَا يَدْرِي كَرَاهِيَةَ أَنْ يُحْبَطَ أَوْ خَشْيَةَ أَنْ يُحْبَطَ فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ ،لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى الْكُفْرِ الْمُقْتَضِي لِلْحُبُوطِ . وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْمَعْصِيَةَ قَدْ تَكُونُ سَبَبًا لِلْكُفْرِ كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ الْمَعَاصِي بَرِيدُ الْكُفْرِ (2)

(1) - قال تعالى: { قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (106) [الكهف/103-107] }

(2) - وفي لقاءات الباب المفتوح - (ج 103 / ص 6)

الأمور التي تعين على ترك المعصية:

السؤال: فضيلة الشيخ! ما هي الأمور التي تعين الإنسان على ترك المعصية؟

الجواب: أهم شيء يعين الإنسان على ترك المعصية خوف الله عز وجل, وأن يردد في فكره قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ [الانشقاق:6] وأن يؤمن ويوقن بأن أي عمل يعمله فإنه سيلاقي ربه بذلك. ثانيًا: أن يفكر في العاقبة، ما هي العاقبة من المعصية؟ عواقب المعاصي سيئة؛ لأنها تهون على العبد معصية الله عز وجل, فلا يزال مع الشيطان حتى يوصله إلى الشرك, ولهذا قال بعض أهل العلم: إن المعاصي بريد الكفر. أي: أن الإنسان يرتحل منها مرحلة مرحلة حتى يصل إلى غايته -والعياذ بالله- ويدل لهذا القول قول الله تبارك وتعالى: إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:13-14] فالذنوب لما رانت على القلب -والعياذ بالله- أرته آيات الله القرآن العظيم أنه أساطير الأولين يعني: سواليف, فإذا تأمل الإنسان في عواقب المعصية فإن هذه من أسباب تركها. ثالثًا: أن يعلم أن المعصية لا تزيده من الله إلا بعدًا, وإذا ابتعد عن الله ابتعد الناس عنه, لأن الإنسان إذا ابتعد عن الله -والعياذ بالله- صار في قلبه وحشة, وصار كأن صفحة أمامه يقرؤها الناس بمعايبه ومعاصيه، وتجده قد كتب عليه الذل، فيتأمل مثل هذه الأشياء وهذا مما يقويه على ترك المعصية. رابعًا: ومن أسباب ذلك أيضًا: إذا كانت المعصية بسبب معاشرة بعض أهل السوء فليبتعد عنهم ويجتنبهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم مثّل جليس السوء بنافخ الكير, قال: (إما أن يحرق ثيابك, وإما أن تجد منه رائحة خبيثة) .

وفي فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 5 / ص 4420)

رقم الفتوى 34468 هل تقبل حسنات مرتكب الكبائر

تاريخ الفتوى: 08 جمادي الأولى 1424

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته هل يستطيع الإنسان أن يزود رصيد حسناته وهو مرتكب كبائر كالنميمة والزنا والسرقة وغيرها وهل يقبل الله منه؟ وهل يوجد إنسان يدخل الجنة وهو مصر على معاص كبيرة ولكن ترجح كفة حسناته؟ وتمنياتي لكم بالتوفيق.

الفتوى

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:

فالكبائر لا تحبط جميع الحسنات، ولا تمنع قبولها، ولكن قد تُحبط من الحسنات بقدرها عند وزن أعماله، فإن رجحت حسناته على سيئاته كان من أهل الثواب، وإن رجحت سيئاته على حسناته كان من أهل العقاب، كما في الحديث الذي رواه البخاري في"الأدب المفرد"ورواه أيضًا غيره عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خلتان لا يحصيهما رجل مسلم إلا دخل الجنة وهما يسير ومن يعمل بهما قليل. قيل: وما هما يا رسول الله؟ قال: يُكبِّر أحدكم في دبر كل صلاة عشرًا، ويحمد عشرًا، ويسبح عشرًا، فذلك خمسون ومائة على اللسان وألف وخمسمائة في الميزان، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يعدهنَّ بيده، وإذا أوى إلى فراشه سبحه وحمده وكبره، فتلك مائة على اللسان وألف في الميزان، فأيكم يعمل في اليوم والليلة ألفين وخمسمائة سيئة، قيل: يا رسول الله كيف لا يحصيهما. قال: يأتي أحدكم الشيطان في صلاته فيذكره حاجة كذا وكذا فلا يذكره. قال الألباني: صحيح.

فدل هذا الحديث على وزن الحسنات والسيئات والمقاصة بينهما، وقد قرر أهل العلم أنه لا يحبط جميع الحسنات إلا الكفر، كما لا يحبط جميع السيئات إلا التوبة، فصاحب الكبيرة إذا أتى بحسنات يبتغي بها رضا الله أثابه الله ذلك، وإن كان مستحقًا العقوبة العظيمة على كبيرته.

وبهذا تعلم أن مرتكب الكبائر يمكنه أن يزيد رصيده من الحسنات وأن الله يقبلها منه، وأن من رجحت كفة حسناته على كفة سيئاته إذا اتقاه فيها وعملها خالصة لوجهه دخل الجنة.

وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: عن رجل مسلم يعمل عملًا يستوجب أن يبنى له قصر في الجنة ويغرس له غراس باسمه، ثم يعمل ذنوبًا يستوجب بها النار، فإذا دخل النار كيف يكون اسمه أنه في الجنة وهو في النار؟ فأجاب: وإن تاب عن ذنوبه توبة نصوحًا فإن الله يغفر له ولا يحرمه ما كان وعده بل يعطيه ذلك، وإن لم يتب وزنت حسناته وسيئاته، فإن رجحت حسناته على سيئاته كان من أهل الثواب، وإن رجحت سيئاته على حسناته كان من أهل العذاب. وما أعد له من الثواب يحبط حينئذ بالسيئات التي زادت على حسناته، كما أنه إذا عمل سيئات استحق بها النار ثم عمل بعدها حسنات تذهب السيئات. والله أعلم.

ولكن ينبغي أن يعلم أن الإصرار على المعاصي ولاسيما الكبائر سبب لسوء الخاتمة والعياذ بالله، كما قال تعالى: فَلْيَحَذَرِ الْذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبُهُمْ فَتْنَةٌ أَوْ يُصِيبُهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:] .

وفي مسند أحمد وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، وإن زاد زادت حتى يعلو قلبه ذاك الرين الذي ذكر الله عز وجل في القرآن كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:] قال الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده قوي.

ولذا قال بعض السلف: المعاصي بريد الكفر. كما أن الحمى بريد الموت. وفي مسند أحمد وغيره عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال وهو على المنبر: ارحموا ترحموا، واغفروا يغفر الله لكم، ويل لأقماع القول، ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون قال الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده حسن.

فعلى من ابتلي بشيء من الكبائر أن يبادر إلى التوبة قبل أن يختم له بسوء عياذًا بالله من ذلك.

وراجع للأهمية الفتوى رقم: 24874 ، والفتوى رقم: 28748 .

والله أعلم.

المفتي: مركز الفتوى بإشراف د.عبدالله الفقيه

وفي فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 6 / ص 4506)

رقم الفتوى 45849 محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه

تاريخ الفتوى: 30 محرم 1425

السؤال

أنا شاب عمري 28 سنة مصاب بالشيزوفرينيا منذ سن 12 عاما تقريبًا، وقد ابتدأت بأخذ العلاج منذ 14 إلى الآن عانيت ما يعادل أكثر من سرطان هذا باعتراف الأطباء، وحسب اعتقاد الأطباء فإن الشفاء ميؤوس منه والله أعلم، والحمد لله الذي من علي بهذا المرض لأنه حلمي الأول والأخر بأن أكون من المقربين في الجنة، لكن كيف مع كثرة ذنوبي أعني بالنسبة لمن يريد هذه المنزلة العالية وربما أقل إذا عجزت عن ترك ذنوبي الثلاثة الإفراط في التدخين وسماع المعازف ومشاهدة الأفلام الأجنبية كل يوم تقريبًا مع أني بعت التلفاز لأسيطر على ما أشاهد من أي مجون وأحب القرآن وكتب الشرع، وأنا هنا مريض وحيد عاجز عن العمل لا أريد الموت إلا مقربًا، وما عدت احتمل الدنيا أريد الحياة الحقيقية مقربًا في الجنة اليوم قبل الغد ما عدت أطيق فراق الحور والقصور، فليتني الآن في المدينة والدجال واقف فأخرج له هل لي أمل أن أدخل الجنة من المقربين قريبًا جدًا، إذا سألت الله سبحانه مع كل هذه الذنوب هل أنتظر شفاعة معاناتي أم هذا اعتداء في الدعاء ثم يأس؟

الفتوى

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فنسأل الله أن يعجل لك بالشفاء والعافية، واعلم أنه ما أنزل الله من داء إلا وأنزل له دواء علمه من علمه وجهله من جهله، ومن الدواء استعمال الرقية الشرعية والأذكار المأثورة والإلحاح على الله بالدعاء، موقنًا بالإجابة معتصمًا بالله متوكلًا عليه متبرئًا من كل حول وقوة لغيره، وأبشر بحسن العاقبة، وننصح في هذا الصدد بالكتابة إلى قسم الاستشارات بالشبكة وستجد عندهم إن شاء الله تعالى ما تنتفع به.

وأما ما ذكرت من الذنوب فاعلم أن الذنوب سبب لكل بلاء وشر في الدنيا والآخرة، والآيات في هذا المعنى كثيرة، كقوله تعالى: فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [العنكبوت:40] ، وقوله تعالى: فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ [الأنعام:6] ، وقوله تعالى: مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَارًا [نوح:25] .

فعليك بالمبادرة إلى التوبة النصوح والإقلاع عن الذنوب إن أردت النجاة يوم القيامة، فضلًا عن أن تكون من المقربين.

وأما معاناتك للمرض فهي سبب لتكفير الذنوب كما في قوله صلى الله عليه وسلم: ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه. متفق عليه.

ولكن لا تغتر بذلك، فإن الذنوب إذا اجتمعت على الإنسان أهلكته، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: إياكم ومحقرات الذنوب، كقوم نزلوا بطن واد فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود حتى أنضجوا خبزهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه. رواه أحمد .

وقال بعض السلف: المعاصي بريد الكفر كما أن الحمى بريد الموت.

وليس في سؤالك لله الجنة مع صدور الذنوب منك اعتداء في الدعاء، ولكن تجب عليك التوبة كما قدمنا ولا تيأس من رحمة الله، فإنه لا ييأس من رحمة الله إلا القوم الكافرون، وراجع للأهمية الفتاوى ذات الأرقام التالية: 30129 ، 26230 ، 27224 ، 28748 ، 26549 ، 29853 ، 32068 .

والله أعلم.

المفتي: مركز الفتوى بإشراف د.عبدالله الفقيه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت