الصفحة 32 من 59

(63) سورة النور ، وَإِبْلِيسُ خَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ فَصَارَ كَافِرًا ؛ وَغَيْرُهُ أَصَابَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ . وَقَدْ احْتَجَّتْ الْخَوَارِجُ وَالْمُعْتَزِلَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} (1) (27) سورة المائدة، قَالُوا: فَصَاحِبُ الْكَبِيرَةِ لَيْسَ مِنْ الْمُتَّقِينَ فَلَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْهُ عَمَلًا فَلَا يَكُونُ لَهُ حَسَنَةٌ ،وَأَعْظَمُ الْحَسَنَاتِ الْإِيمَانُ فَلَا يَكُونُ مَعَهُ إيمَانٌ فَيَسْتَحِقُّ الْخُلُودَ فِي النَّارِ.

(1) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 1669)

الثانية وفي قول هابيل: { إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين } كلام قبله محذوف؛ لأنه لما قال له قابيل: { لأَقْتُلَنَّكَ } قال له: ولم تقتلني وأنا لم أجنِ شيئًا؟ ، ولا ذنب لي في قبول الله قرباني ، أما إني اتقيته وكنتُ علي لاحِبِ الحق وإنما يتقبل الله من المتقين . قال ابن عطية: المراد بالتقوى هنا اتقاء الشرك بإجماع أهل السّنة؛ فمن اتقاه وهو موحِّد فأعماله التي تصدق فيها نيته مقبولة؛ وأما المتقي الشرك والمعاصي فله الدرجة العليا من القبول والختم بالرحمة؛ علم ذلك بإخبار الله تعالى لا أن ذلك يجب على الله تعالى عقلًا . وقال عدِي بن ثابت وغيره: قربان متقي هذه الأمة الصلاة .

قلت: وهذا خاص في نوع من العبادات . وقد رَوى البخاري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الله تبارك وتعالى قال من عادى لي وليًا فقد اذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضت عليه وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينهُ ولئن استعاذني لأعيذنّه وما تردّدت عن شيء أنا فاعله تردّدي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مَسَاءته".

تفسير الرازي - (ج 6 / ص 33)

المسألة الثانية: إنما صار القربانين مقبولًا والآخر مردودًا لأن حصول التقوى شرط في قبول الأعمال . قال تعالى هاهنا حكاية عن المحق { إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين } وقال فيما أمرنا به من القربان بالبدن { لَن يَنَالَ الله لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا ولكن يَنَالُهُ التقوى مِنكُمْ } [ الحج: 37 ] فأخبر أن الذي يصل إلى حضرة الله ليس إلا التقوى والتقوى من صفات القلوب قال عليه الصلاة والسلام: « التقوى هاهنا » وأشار إلى القلب ، وحقيقة التقوى أمور: أحدها: أن يكون على خوف ووجل من تقصير نفسه في تلك الطاعة فيتقى بأقصى ما يقدر عليه عن جهات التقصير ، وثانيها: أن يكون في غاية الاتقاء من أن يأتي بتلك الطاعة لغرض سوى طلب مرضاة الله تعالى . وثالثها: أن يتقى أن يكون لغير الله فيه شركة ، وما أصعب رعاية هذه الشرائط! وقيل في هذه القصة: إن أحدهما جعل قربانه أحسن ما كان معه ، والآخر جعل قربانه أردأ ما كان معه . وقيل: إنه أضمر أنه لا يبالي سواء قبل أو لم يقبل ولا يزوج أخته من هابيل . وقيل: كان قابيل ليس من أهل التقوى والطاعة ، فلذلك لم يقبل الله قربانه .

الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 1235)

أي: قال هابيل لقابيل ناصحا ومرشدًا: إنما يتقبل الله الأعمال والصدقات من عباده المتقين الذين يخشونه في السر والعلن؛ وليس من سواهم من الظالمين الحاسدين لغيرهم على ما آتاهم الله من نعم ، فعليك أن تكون من المتقين لكي يقبل منك الله .

قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف كان قوله: { إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين } جوابا لقوله: { لأَقْتُلَنَّكَ } ؟ قلت: لما كان الحسد لأخيه على تقبل قربانه هو الذي حمله على توعده بالقتل قال له: إنما أتيت من قبل نفسك لانسلاخها من لباس التقوى ، لا من قبلي ، فلم تقتلني؟ ومالك لا تعاتب نفسك ولا تحملها على تقوى الله التي هي السبب في القبول؟ فأجابه بكلام حكيم مختصر جامع لمعان . وفيه دليل على أن الله - تعالى - لا يقبل طاعة إلا من مؤمن متق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت