سبحانه وتعالى إنما أبطله مع الكفر فيجب أن يصح مع الإيمان. وقد سلم أنه إذا حج عن الميت أو تصدق عنه أو أعتق عنه صح، ووصل إليه نفعه. وكذلك إذا صلى وصام وتلا وأهدى، فيقال: كل جهةٍ وصل الثواب إليها كالحج والصدقة والعتق: وصل إليها الصلاة والصوم كجهة نفسه، وقد قالوا: إنما قلنا بصحة الحج والصدقة عن الميت لأنهما تدخلهما النيابة حال الحياة فكذلك بعد الوفاة، وعكس ذلك الصلاة وقراءة القرآن فإن النيابة لا تدخلهما حال الحياة، بل لا تقع إلا عن فاعلها لو أهداها للغير حال حياته، كذلك إذا أهداها بعد وفاته.
ونحن نجيب عن ذلك فنقول: الحي لا حاجة له في أن تهدى له هذه التطوعات، لأن عمله ما انقطع ولا حيل بينه وبينه، فكان المهدي والمهدَى له سواءً في أن كل واحدٍ متطوعٌ لنفسه، بخلاف حالة الموت فإنها حالة ارتهان باكتساب وفاقةٍ إلى الأجر والثواب، فجاز أن يجعل ما يهديه إليه ولده وصديقه موصولًا به ونافعًا له لموضع انقطاع عمله كما نظر له الشرع فجعل له ثلث ماله عند وفاته، وكما جعل أبو حنيفة -رحمه الله- إحرام الرفقة عن رفيقهم المغمى عليه نائبًا عن إحرامه بنفسه عن فرضه ونفله، وكما جعل إسلام الأب إسلامًا للطفل، وكما جعل فعل البعض مسقطًا عن جملة أهل البلد في فرض الكفايات، فوقع فعل البعض مجزئًا وكافيًا عن الباقين بعد أن كان معرضًا أن يأثم الجميع بالترك لذلك