-تنبيه حول مسألة التمذهب:
يقول الشيخ يوسف الغفيص في شرح الواسطية:"حقيقة التمذهب: أنه من باب التراتيب العلمية، ليس من باب التعبد، من انتسب للإمام أحمد تعبدًا؛ كما يفعل مثلًا بعض الشيعة وبعض الصوفية حين ينتسبون على جهة التعبد لأعيان؛ فهذا لا شك أنه بدعة، لكن من انتسب للإمام أحمد لأنه أخذ من علمه ما لم يأخذ من علم الشافعي، أو قرأ من كتبه ما لم يقرأه من كتب الشافعي، أو رأى أن الإمام أحمد أعلم بالسنن والآثار، أو رأى أنه أقرب، وآخر عرف من حال الشافعي وما عنده من الأخذ عن المحدثين والفقهاء وسعة علمه باللغة، فناسبه فقه الشافعي، ورأى بنظره أنه أقرب، فصار شافعيًا، وصار هذا حنفيًا، لأنه لم يلق المحدثين، إنما تقلد فقه أبي حنيفة كحال أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، فقد كان على فقه أبي حنيفة، ولما لقي من لقي من أهل الحديث ترك كثيرًا من قول أبي حنيفة."
إذًا: المسألة مسألة تراتيب علمية، مثل قول الرسول - عليه الصلاة والسلام: (فإن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا) لماذا يطيعون أبا بكر وعمر؟ هل أبو بكر مشرع؟ لا، ولكن هذه تراتيب علمية: أن المفضول في العلم يقتدي بالفاضل، وإذا تعصب متعصب لأحمد أو للشافعي قلنا: أخطأ، لكن أن يقال: إن السلفي هو الذي لا يتمذهب، فهذا ليس صحيح، وإلا للزم من كونك لا تقلد أحدًا في مسألة، أن لا يكون لك سلف في كل المسائل، وهذه ليست طريقة السلف.
الإمام أحمد يقول: لا تقل في مسألة إلا ولك فيها إمام، ويقول: من ادعى الإجماع فقد كذب، وما يدريك لعلهم اختلفوا. إذًا لا بد من هذا الاتباع، وهذا من سنن المرسلين: أن يقتدي المفضول بالفاضل. أما إذا صار التمذهب تعصبًا أو صار الانتصار من أجله ليس من أجل الدليل، أو صار على جهة التعبد أو نحو ذلك .. فلا شك أن هذه موجبات يعلم بطلانها من الشريعة وهي من البدع المنكرة. إذًا: التمذهب فيه طرفان ووسط؛ فإذا غلا بعض المتمذهبين بتعصبهم للمذاهب، وصاروا يقلدون الأقوال ولا يعتبرون النظر في الدليل، وكان همهم الانتصار للمذهب، فهذا لا شك أنه بدعة وجدت في قرون من الأمة على يد بعض الفقهاء، وقد أنكره قوم ولا سيما من المعاصرين الذين بالغوا في رده وجعلوا السلفية مرتبطةً بعدمه، والحق أن المحققين من السلفيين كابن عبد البر وشيخ الإسلام وابن كثير ومن قبل هؤلاء أو من بعدهم، والمعاصرين الذين قرب عصرهم كالشيخ محمد بن عبد الوهاب وشيوخ