الصفحة 3 من 13

الأمور في توافق وتناسق يطابق أو يقارب الصورة المثلى التي تستقر معها فطرته وتسكن نفسه ويهدأ فؤاده ويهنأ باله، وتنضبط أفعاله وتتلاءم تصوراته مع الحقائق الكبرى التي غرست في أعماق قلبه مما لا يجد لها مدفعًا ولا منزعًا، وأي اضطراب أو اختلال يحصل في الفطرة أو الصفات أو الأفعال أو التصورات فإنه سيجر على صاحبه من الوبال والنكال والغرق في بحار الأكدار، والبعد عن (الرحمة) بحسب قربه أو بعده من حالة الكمال الإنساني الذي ينبغي لكل عاقل أن يسعى إليه، ذلك الكمال الذي لا يمكن تحصيله بل ولا إدراكه إدراكًا تامًا والتعرف عليه معرفةً وافيةً أصلًا إلا من خلال الوحي المنزل من عند خالق الخلق مالك الملك وهو الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} الملك14.

فهناك صورة مثلى وحالة اكتمال -سواء للأفراد أو للمجتمعات- يسعى الجميع لبلوغها والظفر بها ليصلوا عندها إلى المستقر الذي تصبو إليه كل نفسٍ تبعا لما جبلت عليه، فتحظى من خلاله بالسكينة الدائمة، والطمأنينة العميقة، والأمان الكامل، والرحمة الشاملة، والحياة الطيبة، والعيشة الهنية، وما تفاخر المجتمعات -قديما وحديثا- بعضها على بعض إلا بناء على نصيبها مما اقتنصته وأدركته وتوصلت إليه من أسباب الاستقرار، والتوسعة، والتراحم، والتوائم الذي يحصل بين أصحابها والعدل في تحصيل حقوقها، وهذه هي الغايات التي يحاول كل رئيس أو ملك أو أمير مهما بلغ من الطغيان أن يقنع شعبه وأتباعه أنه قائمٌ لتحقيقها، ساعٍ في تحصيلها، داعٍ إلى تكميلها، مجتهد في توصيلها حتى فرعون إمام العتو والظلم والتجبر قال لقومه: {وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} غافر29.

لقد أرسل الله رسوله صلى الله عليه وسلم والبشرية آنذاك كأنها في حالة احتضار مما دهاها من أنواع الأمراض المزمنة التي تمكنت من جسدها، وتعفنت بسببها سائر أعضائها، وسرت سموم الفساد في أوصالها، وكادت تلفظ أنفاسها الأخيرة بعد أن أصبحت لا تتنفس إلا في جو (الجاهلية) الموبوء الخانق، فبلغت بها الأدواء والآلام والضيق مبلغًا لا مزيد عليه، فلما شمرت عن ساقيها وتهيأت للتردي في الهاوية التي لا نهاية لها، ودارت أعينها من هول سكرات الغي والأهواء والخرافة والسخف والشطح التي طوقتها وخنقتها بل وتغلغلت في شرايينها وعروقها - نادى منادي الفلاح والصلاح والإصلاح وصاح في وجهها صيحة النذير العريان: النجاء النجاء، فأخذ بحُجزِها ليدفعها بقوةٍ ويبعدها عن حافة المهلكة التي أوشكت أن تتهاوى فيها، فأنقذها الله بالرحمة المهداة الذي قال عن نفسه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت