يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ البقرة170 وأطلق عِنانَ التوحشِ والاعتداءِ والظلمِ الجشعُ والطمعُ والأنانيةُ وحب العلو والحميةُ والعصبية الخرقاء:
وما أَنا إلا من غزِيَّةَ إنْ غَوَتْ ... غَوَيْتُ وإِن تَرْشُدْ غزِيَّةُ أَرْشُدِ
فالضنك والعذاب والشر الذي كان يعيشه أهل الجاهلية ويتقلبون وسط مرجله لم يكن مرده لخاصية تعلقت بتلك الفترة فلا يتعداها لغيرها ولا يغشى سواها، كما أنه من السخف والاستخفاف أن يجعل عوده لمجرد بدائية أسباب المعايش المادية التي كانت تقوم عليها حياتهم من قبيل إن وسائل تنقلاتهم ونقلهم هي الجمال والبغال والحمير، ومساكنهم الخيام والصوف والكهوف، وأسلحتهم السيوف والرماح والنبل وغير ذلك، فكل هذه وأمثالها إنما تستعمل وتسخر لتسيير الحياة وتيسير أسبابها وتتخذ سبيلًا للوصول إلى المقاصد الكبرى من الحياة، وما بها تُقوَّم القيم، وتصقل المجتمعات، وتبنى الأخلاق والآداب، فصبغة الحقب والأزمان بصبغة الجاهلية أو ما يضادها لا تعتمد على مثل هذه الأسباب العارضة والمتجددة والمتعددة والمتنوعة.
فأنت ترى أن الحقبة الواحدة تتفاوت المجتمعات فيها تفاوتًا كبيرًا في هذه الأمور المادية المحضة وتتفاضل أسباب الراحة والرفاهية والتسهيل وتحصيل المتع تفاضلًا كثيرًا، ومع ذلك فكل تلك المجتمعات تستحق اسمًا ينطبق عليها جميعها هو) الجاهلية) مما يعني أن المرد في وضع أو رفع هذا الاسم ليس مجرد ما حصلته من أسباب الحياة المادية وإنما هو أمرٌ وراء ذلك، وفوق ما هنالك، فقطعًا لم يكن الروم والفرس في هذه الأمور سواء، وبينهم وبين قبائل العرب في ذلك بون شاسع، وهكذا سائر مَن كان في ذلك الزمن، ومع ذلك كله فمجتمعاتهم ودولهم كانت تعيش جاهلية جهلاء، وهمجية خرقاء، وعصبية هوجاء، قوامها الظلم، والطغيان، والتوحش، وقهر الضعفاء، والفساد في الأرض، والانسلاخ من كثير من القيم، وبالجملة لا تكاد تخرج عن نمط حياة الأنعام التي يستحقها كل من بعد عن الدين ونأى بنفسه عن هداه، واتخذ إلهه هواه {وَلَقَدْ ذَرَانَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} الأعراف179 {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} الفرقان44.