وقد حذر السجزي من الغلط على الإمام أحمد والتقوّل عليه، وعقد فصلًا مستقلًا بعنوان: -"الحذر من الركون إلى كل أحد، والأخذ من كل كتاب؛ لأن التلبيس قد كثر، والكذب على المذاهب قد انتشر [1] ".
ومما قاله في هذا الفصل: -"إن أحوال أهل الزمان قد اضطربت، والمعتمد فيهم قد عزّ، والكذب على المذاهب قد انتشر، فالواجب على كل مسلم يحب الخلاص أن لا يركن إلى كل أحد، ولا يعتمد على كل كتاب، ولا يسلم عنانه إلى من أظهر له الموافقة."
فلقد وقفت على رسالة عملها رجل من أهل أصبهان يعرف بابن اللبان [2] ، وسماها"شرح مقالة الإمام الأوحد أبي عبدالله أحمد بن حنبل"وذكر فيها مذهب الأشعري المخالف لأحمد، أعطى نسخًا إلى جماعة يطوفون بها في البلاد .. [3] ""
وأبدى أبو العباس بن الحسين العراقي (ت 588 هـ) شكايته من تبدّل أحوال قوم ينتسبون إلى مذهب أحمد، وهم يناقضون معتقده، ويخالفون نهجه، فقال - رحمه الله:"وإنما الشكوى إلى الله من قوم إلى مذهب أحمد ينتمون، وبالسنة يتوسمون، ويدّعون التمسك بقوله وفعله، وهم مع ذلك يخالفون نصوصه، ويطرحون عمومه وخصوصه، فكأنهم يدعون إليه ويبعدون منه، وجميع ما يرد عليهم من السنة الثابتة ينفرون عنها، ويسلّطون على ما جاء في الصفات من الأخبار والآيات ما سلّطه المتكلمون من التأويل، ويسلكون فيه مسالك أهل الإلحاد ... والتعطيل .. [4] "
والمقصود أن جملة من متأخري الحنابلة قد غشيتهم طرائق المتكلمين في الاعتقاد، وظهر موجب ذلك في مصنفاتهم وتقريراتهم، مع تفاوت بينهم في هذا الأثر والتأثير؛ إذ ليسوا سواءً، فإذا كان القاضي أبو يعلى ليس كابن عقيل مثلًا، فكذا الإمام ابن قدامة ليس كابن حمدان، وهكذا، وعلماء نجد - قبل الدعوة الإصلاحية - هم امتداد لأولئك العلماء، فلا غرو أن يلحقهم أثر وموجب أسلافهم المتأخرين كابن حمدان والبلباني وعبدالباقي المواهبي ونحوهم، كما أنهم يتفاضلون في هذا الشأن، فالأثر الكلامي على ابن قائد - مثلًا - أظهر وأشدّ من أثره على ابن عطوة ..
(1) رسالة السجزي إلى أهل زبيد صـ 231.
(2) من علماء الشافعية، وتتلمذ على الباقلاني، توفي بأصبهان سنة 446 هـ.
انظر: طبقات الشافعية للسبكي 3/ 207.
(3) رسالة السجزي إلى أهل زبيد صـ 231 = باختصار.
(4) فتيا وجوابها في ذكر الاعتقاد وذم الاختلاف لأبي العلاء الهمذاني صـ 29.