الصفحة 42 من 57

كل شيء ومليكه له الخلق والأمر: وكل ما سواه مربوب له مدبر مقهور لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، بل هو عبد فقير إلى الله تعالى من جميع الجهات، والله غني عنه كما أنه الغني عن جميع المخلوقات). [1]

قوله تعالى: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)

17/ وفيه إثبات الكرسي وهو من مخلوقات الله تعالى.

وفيه إثبات العظمة والقوة والقدرة، لأن عظمة المخلوق تدل على عظمة الخالق.

والكرسي غير العرش، والكرسي في العرش كحلقة ملقاة في فلاة كما جاء في الخبر:

عن أبي ذر الغفاري قال: (دخلت المسجد الحرام فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده فجلست إليه، فقلت: يا رسول الله أيما آية نزلت عليك أفضل؟

قال: آية الكرسي: (ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة) . [2]

و (العرش) موجود بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها وكذلك (الكرسي) ثابت بالكتاب والسنة وإجماع جمهور السلف. وقد نقل عن بعضهم: أن (كرسيه) علمه. وهو قول ضعيف؛ فإن علم الله وسع كل شيء كما قال: (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا) (غافر/7) . والله يعلم نفسه ويعلم ما كان وما لم يكن فلو قيل وسع علمه السموات والأرض لم

(1) مجموع الفتاوى / تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728 هـ) ، تحقيق عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، الناشر مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية،1416 هـ/1995 م، 8/ 58 - 59.

(2) قال الشيخ الألباني في الصحيحة/109: وجملة القول: أن الحديث بهذه الطرق صحيح وخيرها الطريق الأخير والله أعلم.

والحديث خرج مخرج التفسير لقوله تعالى: (وسع كرسيه السماوات والأرض) وهو صريح في كون الكرسي أعظم المخلوقات بعد العرش، وأنه جرم قائم بنفسه وليس شيئا معنويا. ففيه رد على من يتأوله بمعنى الملك وسعة السلطان، كما جاء في بعض التفاسير. وما روي عن ابن عباس أنه العلم، فلا يصح إسناده إليه لأنه من رواية جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عنه. رواه ابن جرير. قال ابن منده: ابن أبي المغيرة ليس بالقوي في ابن جبير.

واعلم أنه لا يصح في صفة الكرسي غير هذا الحديث، كما في بعض الروايات أنه موضع القدمين. وأن له أطيطا كأطيط الرحل الجديد، وأنه يحمله أربعة أملاك، لكل ملك أربعة وجوه، وأقدامهم في الصخرة التي تحت الأرض السابعة ... إلخ فهذا كله لا يصح مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم وبعضه أشد ضعفا من بعض، وقد خرجت بعضها فيما علقناه على كتاب (ما دل عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة القويمة البرهان) ملحقا بآخره طبع المكتب الإسلامي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت