الصفحة 136 من 193

لاغرو إذا قلنا: إن تحليل المضمون قد ارتبط زمنيا بظهور الإنسان بصفة عامة [1] ، واقترن أيضا بالتواصل البشري بصفة خاصة. بيد أن تحليل المضمون لم يتبلور إجرائيا إلا مع علم التفسير والشرح، سيما تفسير الكتب السماوية وتأويلها، وتحليل النصوص والخطابات فهما وتفسيرا، وتوثيقها في ضوء معايير ومحكات ومؤشرات نقدية داخلية وخارجية. ونعلم جيدا بأن علماء الحديث في الثقافة العربية كانوا يدرسون الحديث في ضوء منهج الجرح والتعديل، وذلك بنقد السند والمتن معا، استعدادا لتفسيره وشرحه وتأويله، واستخراج منطوقه ومفهومه، بغية العمل بالحديث الشريف، وتمثل دلالاته وتوجيهاته ونصائحه. ومن ثم، يمكن القول بأن الثقافة العربية اهتمت كثيرا بتحليل المضمون، كما يتجلى ذلك واضحا في تفاسير النصوص والدواوين الشعرية، وتفسير القرآن الكريم، واستنطاق الخطابات الفلسفية والعرفانية والكلامية. وما اهتمام العرب كثيرا بعلوم الآلة إلا لتوظيفها في تحليل المضامين، وتسخيرها في تأويل المحتويات، واستنطاق بيانات الوثائق ومعطياتها إن ظاهرا، وإن باطنا. هذا، وقد عملت الثقافة الغربية بدورها على استكشاف مضامين الكتب السماوية، وخاصة كتاب الإنجيل، مع تحليل دلالات النصوص والخطابات المختلفة والمتنوعة، سواء أكان ذلك التعامل مع المضامين ذاتيا أم موضوعيا. وفي القرن التاسع عشر،"وبالضبط سنة 1888 م بفرنسا، قام أحد الأساتذة الجامعيين بجامعة رين (Rennes) بفرنسا، وهو بنيامين بودون (Benyamin Boudon) ؛ باتباع تحليل مضمون محتوى الإنجيل؛ وفي سبيل ذلك، اختار سورة تمثلت في سورة (الهجرة) ، وشكلت بذلك عينة لتحليل المضمون. وبعد ذلك، حاول إعادة إنتاج النص وفق أسلوب تليغرافي، ولم يحافظ سوى على الكلمات الأساسية، والحاملة لمغزى. ثم بعد تصنيف وفق تيمات؛ نلاحظ بشكل واضح بروز طريقة لتحليل المضمون، التي رغب فيها الباحث أن تكون علمية وموضوعية" [2] .

وعلى أي حال، فلقد ارتبط تحليل المضمون في بدايته بالإعلام الاتصالي، وكان ذلك بالولايات المتحدة الأمريكية سنة 1945 م، ثم انتقل إلى مجال الدراسات الاجتماعية والنفسية، وذلك بدراسة الآراء والمواقف والسلوكيات. وقد تبلور تحليل المضمون فعليا مع لاسويل (Lasswell) وهارولد دويت (Harold Dwight) أثناء دراستهما للإعلام الصحفي في بدايات القرن العشرين. ويعني كل هذا أن تحليل المضمون قد اقترن بتطور منظومة الاتصال الإعلامي، فقد"كان للتطور الذي عرفته وسائل الإعلام والاتصال منذ منتصف القرن الماضي، الدور الأبرز في ظهور تحليل المضمون لإجراء البحوث الاجتماعية، بالاعتماد على المضامين المختلفة، لما ينتقل عبر وسائل الإعلام مكتوبة ومرئية ومسموعة، من مواد مختلفة ومتنوعة المجالات." [3]

(2) - عبد الكريم غريب: منهج البحث العلمي في علوم التربية والعلوم الإنسانية، منشورات عالم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2012 م، ص:227.

(3) - د. لؤي عبد الفتاح ود. زين العابدين حمزاوي: أساسيات في تقنيات ومناهج البحث، ص:27.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت