الصفحة 129 من 214

بِذَلِكَ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ وُصُولُ الضَّرَرِ إِلَيْهِ، وَدُخُولُهُ عَلَيْهِ، وَقَدْ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فَاطِرٍ: 43] . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ غَشَّنَا، فَلَيْسَ مِنَّا، وَالْمَكْرُ وَالْخِدَاعُ فِي النَّارِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ حَدِيثَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ الْمَرْفُوعِ: مَلْعُونٌ مَنْ ضَارَّ مُسْلِمًا أَوْ مَكَرَ بِهِ خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ.

فَيَدْخُلُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فِي التَّنَاجُشِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ جَمِيعُ أَنْوَاعِ الْمُعَامَلَاتِ بِالْغِشِّ وَنَحْوِهِ، كَتَدْلِيسِ الْعُيُوبِ، وَكِتْمَانِهَا، وَغِشِّ الْمَبِيعِ الْجَيِّدِ بِالرَّدِيءِ، وَغَبْنِ الْمُسْتَرْسِلِ الَّذِي لَا يَعْرِفُ الْمُمَاكَسَةَ، وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ بِالْمَكْرِ بِالْأَنْبِيَاءِ وَأَتْبَاعِهِمْ وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ أَبِي الْعَتَاهِيَةِ:

لَيْسَ دُنْيَا إِلَّا بِدِينٍ وَلَيْسَ ... الدِّينُ إِلَّا مَكَارِمُ الْأَخْلَاقِ

إِنَّمَا الْمَكْرُ وَالْخَدِيعَةُ فِي النَّا ... رِ هُمَا مِنْ خِصَالِ أَهْلِ النِّفَاقِ

وَإِنَّمَا يَجُوزُ الْمَكْرُ بِمَنْ يَجُوزُ إِدْخَالُ الْأَذَى عَلَيْهِ، وَهُمُ الْكُفَّارُ وَالْمُحَارِبُونَ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْحَرْبُ خُدْعَةٌ.

وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَلَا تَبَاغَضُوا: نَهَى الْمُسْلِمِينَ عَنِ التَّبَاغُضِ بَيْنَهُمْ فِي غَيْرِ اللَّهِ، بَلْ عَلَى أَهْوَاءِ النُّفُوسِ، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ جَعَلَهُمُ اللَّهُ إِخْوَةً، وَالْإِخْوَةُ يَتَحَابُّونَ بَيْنَهُمْ وَلَا يَتَبَاغَضُونَ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَحَادِيثَ فِي النَّهْيِ عَنِ التَّبَاغُضِ وَالتَّحَاسُدِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت