فهرس الكتاب
وَحْدَهُ فَلَا يَصْدُرُ عَنْهُ شَيْءٌ وَلَا يَتَوَلَّدُ. فَبَيَّنَ الْقُرْآنُ أَنَّهُمْ أَخْطَئُوا طَرِيقَ الْقِيَاسِ فِي الْعِلَّةِ وَالتَّوَلُّدِ حَيْثُ جَعَلُوا الْعَالَمَ يَصْدُرُ عَنْهُ بِالتَّعْلِيلِ وَالتَّوَلُّدِ. وَكَذَلِكَ قَالَ: (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) خِلَافُ قَوْلِهِمْ: إنَّ الصَّادِرَ عَنْهُ وَاحِدٌ. وَهَذَا وَفَاءٌ بِمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ قَوْلِهِ: (وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا) إذْ قَدْ تَكَفَّلَ بِذَلِكَ فِي حَقِّ كُلِّ مَنْ خَرَجَ عَنْ اتِّبَاعِ الرَّسُولِ فَقَالَ تَعَالَى: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) فَذَكَرَ الْوَحْدَانِيَّةَ وَالرِّسَالَةَ إلَى قَوْلِهِ: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا) فَكُلُّ مَنْ خَرَجَ عَنْ اتِّبَاعِ الرَّسُولِ فَهُوَ ظَالِمٌ بِحَسَبِ ذَلِكَ. وَالْمُبْتَدِعُ ظَالِمٌ بِقَدْرِ مَا خَالَفَ مِنْ سُنَّتِهِ. (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا) . (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ كُلِّ شَيْءٍ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) . وَلِهَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فِي الشَّفْعِ وَالْوِتْرِ: (أَنَّ الشَّفْعَ هُوَ الْخَلْقُ فَكُلُّ مَخْلُوقٍ لَهُ نَظِيرٌ وَالْوِتْرُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا شَبِيهَ لَهُ) فَقَالَ: (أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ) . وَذَلِكَ أَنَّ الْآثَارَ الصَّادِرَةَ عَنْ الْعِلَلِ والمتولدات فِي الْمَوْجُودَاتِ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ شَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا: يَكُونُ كَالْأَبِ. وَالْآخَرُ: يَكُونُ كَالْأُمِّ الْقَابِلَةِ. وَقَدْ يُسَمُّونَ ذَلِكَ الْفَاعِلَ وَالْقَابِلَ كَالشَّمْسِ مَعَ الْأَرْضِ وَالنَّارِ مَعَ الْحَطَبِ فَأَمَّا صُدُورُ شَيْءٍ وَاحِدٍ عَنْ شَيْءٍ وَاحِدٍ فَهَذَا لَا وُجُودَ لَهُ فِي الْوُجُودِ أَصْلًا. وَأَمَّا تَشْبِيهُهُمْ ذَلِكَ بِالشُّعَاعِ مَعَ الشَّمْسِ وَبِالصَّوْتِ كَالطَّنِينِ مَعَ الْحَرَكَةِ وَالنَّقْرِ فَهُوَ أَيْضًا حُجَّةٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ. وَذَلِكَ: أَنَّ الشُّعَاعَ إنْ أُرِيدَ بِهِ نَفْسُ مَا يَقُومُ بِالشَّمْسِ: فَذَلِكَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهَا وَصِفَاتُ الْخَالِقِ لَيْسَتْ مَخْلُوقَةً وَلَا هِيَ مِنْ الْعَالَمِ الَّذِي فِيهِ الْكَلَامُ. وَإِنْ أُرِيدَ بِالشُّعَاعِ مَا يَنْعَكِسُ عَلَى الْأَرْضِ: فَذَلِكَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ شَيْئَيْنِ وَهُمَا الشَّمْسُ الَّتِي تَجْرِي مَجْرَى الْأَبِ الْفَاعِلِ وَالْأَرْضِ الَّتِي تَجْرِي مَجْرَى الْأُمِّ الْقَابِلَةِ. وَهِيَ الصَّاحِبَةُ لِلشَّمْسِ. وَكَذَلِكَ الصَّوْتُ لَا يَتَوَلَّدُ إلَّا عَنْ جِسْمَيْنِ يَقْرَعُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ أَوْ يُقْلِعُ عَنْهُ فَيَتَوَلَّدُ الصَّوْتُ الْمَوْجُودُ فِي أَجْسَامِ الْعَالَمِ عَنْ أَصْلَيْنِ يَقْرَعُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ أَوْ يُقْلِعُ عَنْهُ. فَمَهْمَا احْتَجُّوا بِهِ مِنْ الْقِيَاسِ فَاَلَّذِي جَاءَ اللَّهُ بِهِ هُوَ الْحَقُّ وَأَحْسَنُ تَفْسِيرًا وَأَحْسَنُ بَيَانًا وَإِيضَاحًا لِلْحَقِّ وَكَشْفًا لَهُ. وَأَيْضًا فَجَعَلَهَا عِلَّةً تَامَّةً لِمَا تَحْتَهَا وَمُؤَكِّدَةً لَهُ وَمُوجِبَةً لَهُ حَتَّى يَجْعَلُونَهَا مَبَادِئَنَا وَيَجْعَلُونَهَا لَنَا كَالْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَرُبَّمَا جَعَلُوا الْعَقْلَ هُوَ الْأَبُ وَالنَّفْسُ هِيَ الْأُمُّ. وَرُبَّمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: الْوَالِدَانِ الْعَقْلُ وَالطَّبِيعَةُ كَمَا قَالَ صَاحِبُ الْفُصُوصِ فِي قَوْلِ نُوحٍ (اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ) أَيْ مَنْ كُنْت نَتِيجَةً عَنْهُمَا