ولكن ألم يكن صراع الحضارات أو الثقافات المسوغ الدعائي لتعبئة وقود الحرب من الشباب لخوض القتال في العصور القديمة وكذلك الحديثة، التي تعد النظم الفاشية مثالا صارخا له؟ أو لم تكن قوى الحلفاء المقاومة للفاشية أكثر حماسا في استخدام الشعارات الثقافوية بمضامين مختلفة؟ هل كان واقع الصدام ثقافويا، أم كان لأسباب مادية أخرى؟
إن بيانات رجال السياسة أو القادة في كل مراحل التاريخ مثال بارز على الخلط المتعمد بين الشعار والواقع. ولا نعرف زعيما أو قائدا عسكريا صرح بأهدافه ومصالحه الحقيقية عند تعبئته للجماهير، ودفعها إلى سلخانة الحرب،
فالبيان السياسي أو الخطاب التعبوي، إن صح ذلك التعبير، من بين كل البيانات أو الخطابات الأخرى، هو الذي يستمد عباراته من معجم الأخلاق، أو الدين، أو العرق، أو غيرها من عناصر الثقافة بمعناها اللامادي أو الروحي. ودراسة التاريخ تكشف لنا عن هذه المفارقة التي تنتمي إلى الكوميديا السوداء، فكل آليات التبرير السياسي مستمدة من تلك العناصر الثقافية كالدين والقومية، واللغة، والقيم، والأعراف، والتقاليد ونحوها.
والسياسة هي طرق إدارة الصراع. ومن أهم أساليبها في هذا الشأن، تفسير الصراع بتلك العناصر الثقافية التي ترد كثيرا في الخطاب السياسي، و ذلك للاستهلاك المحلي أو الخارجي على السواء
ولقد انتشرت النزعة الأصولية الآن، ليس بوصفها اکتشافا علميا لسر الصراع بين الدول، فقد ابتذلت منذ زمان قديم من كثرة الاستخدام. ولكن عقب سقوط كثير من المسلمات العصرية، وفشل النظم القائمة في ستر عوراتها. فكان لابد في غمرة التخبط أو الفراغ التنظيري، وضرورة الانخراط في المزاحمية الدموية، والسوق العالمية الحرة، كان لابد من التفتيش في الدفاتر القديمة، شأن التاجر المفلس، عن نظرية عتيقة هي الصدام الحضاري أو الثقافي، حيث يختار كل منا ما يلائمه من أصول، أو أسلاف، أو آلهة
حمارسة
بيد أن الأصولية الغربية التي يزعمها وبهيب بها اهنتنجتونا نتخذ موقعا يمتاز امتيازا بينا عن الأصولية الإسلامية، أو الشرقية بوجه عام. >