الصفحة 166 من 200

فيتضرع إليه بخالص الضراعة والدعاء، ويتوسل إليه بطيب القول، وصالح العمل فيكون هذا أدباً من مع الله مولاه إذ ليس من الأدب في شيء اليأس من المزيد من رحمة وسعت كل شيء، ولا القنوط من إحسان قد عم البرايا، وألطاف قد انتظمت الوجود. قال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [1] . وقال: {اللهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ} [2] . وقال: {وَلاَ تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللهِ} [3] . وقال: {لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ} [4] .

5 -وينظر المسلم إلى شدة بطش ربه، وإلى قوة انتقامه، وإلى سرعة حسابه فيتقيه بطاعته، ويتوقاه بعدم معصيته فيكون هذا أدباً منه مع الله؛ إذ ليس من الأدب عند ذوي الألباب أن يتعرض بالمعصية والظلم العبد الضعيف العاجز للرب العزيز القادر، والقوي القاهر وهو يقول: {وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن والٍ} [5] ، ويقول: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ} [6] ، ويقول: {وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} [7] .

6 -وينظر المسلم إلى الله عز وجل عند معصيته، والخروج عن طاعته، وكأن وعيده قد تناوله، وعذابه قد حل بساحته، كما ينظر إليه تعالى عند طاعته، واتباع شريعته وكأن وعده قد صدقه له، وكأن حلة رضاه قد خلعها عليه فيكون هذا من المسلم حسن ظن بالله، ومن الأدب حسن الظن بالله؛ إذ ليس من الأدب أن يسيء المرء ظنه بالله فيعصيه ويخرج عن طاعته، ويظن أنه غير مطلع عليه، ولا مؤاخذ له على ذنبه، وهو يقول: {وَلَكِن ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ} [8] ، كما أنه ليس من الأدب مع الله أن يتقيه المرء ويعيطه ويظن أنه غير مجازيه بحسن عمله، ولا هو قابل منه طاعته وعبادته، وهو عز وجل يقول: {وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [9] ويقول سبحانه: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [10] ويقول تعالى: {مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [11] .

(1) سورة الأعراف من آية 156.

(2) سورة الشورى من آية 19.

(3) سورة يوسف من آية 87.

(4) سورة الزمر من آية 53.

(5) سورة الرعد من آية 11.

(6) سورة البروج آية 12.

(7) سورة آل عمران من آية 4.

(8) سورة فصلت آية 22، 23.

(9) سورة النور آية 52.

(10) سورة النحل آية 97.

(11) سورة الأنعام آية 160.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت