الصفحة 79 من 104

وأيضًا فقد ثَبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «المرأةُ عورة» . وقد تقدم ذكره قريبًا [1] ، وهذا نصٌّ شامِلٌ لجميع أجزاء المرأة من وجه وغيره، كما تقدم تقريره.

وقد قال الله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} . وقال تعالى: {وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نزلَ إِلَيْهِمْ} . وقال تعالى: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} .

وفي الحديث الذي ذكرناه مع هذه الآيات رَدٌّ لما ادَّعاهُ ابنُ حزم والألبانيُّ! من النصّ على إباحة كشف المرأة لوجهها عند الرجال الأجانب، والله أعلم.

وأما قولُ الألباني: وقد يُشير إلى ذلك قولُه تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} ، {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ} الآية، فإنها تُشعِرُ بأنَّ في المرأة شيئًا مكشوفًا يُمكِنُ النظرُ إليه، فلذلك أمَرَ تعالى بغَضّ النظر عنهن، وما ذلك غيرُ الوجهِ والكفَّين.

ومثلُها قوله - صلى الله عليه وسلم: «إياكم والجلوسَ بالطرُقات، فإذا أبيتم إلا المجلسَ فأعطوا الطريقَ حقَّه، قالوا: وما حَقُّ الطريق يا رسول الله؟ قال: غَضُّ البَصَر، وكفُّ الأذى، ورَدُّ السَّلام، والأمْرُ بالمعروف، والنَّهيُ عن المنكر» . وقولُه: «يا عليُّ لا تُتْبع النظرة النظرةَ، فإنَّ لك الأُولى وليست لك الآخِرَة» . وعن جرير بن عبدالله قال: سألتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن نظر الفَجْأَة، فأمَرَني أن أَصرِفَ بصَرِي. انتهى كلام الألباني.

فجوابُهُ أن يقال: ليس في الآية من سُورة النور، ولا في الأحاديث المذكورة ها هنا، ما يُشعِرُ بجواز كشفِ الوجه والكفَّين من المرأة إذا كانت بحضرة الرجال الأجانب. كما قد توهُّمَهُ الألبانيُّ! وإنما أمَرَ اللهُ تعالى ورسولُه - صلى الله عليه وسلم - بغَضِّ البصر، لأن المرأة وإنْ تحفَّظَتْ غايةَ التحفظ، فلا بُدَّ أن يَبْدوَ بعضُ أطرافها في بعض الأحيان، كما هو معلوم بالمشاهدة من اللاتي يُبالِغْنَ في التحجب والتستر، فلهذا أُمِرَ الرجالُ بغض البصر عما يَبْدُو منهن.

وكثيرًا ما يُصادِفُ الرجلُ المرأةَ وهي غافلة، فيَرى وجههَا أو غيرَه من أطرافها، فأمَرَه الشارعُ بصْرفِ البصر عنها، وهذا هو المرادُ من حديث جرير رضي الله عنه، قال: سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفَجْأة، فأمَرَني أن أَصرِفَ بصري.

وفي سؤال جرير رضي الله عنه، عن نظر الفَجْأة أوضَحُ دليل على مشروعية استتارِ النساءِ عن الرجال الأجانب، وتغطيةِ وجوههن عنهم.

(1) انظره في ص 96 و 128 و 146.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت