الصفحة 19 من 54

من بأس، ولا يروعهم منا شيء ما دمنا منشغلين بأنفسنا، متناحرين فيما بيننا، وقد كفيناهم أمرنا، وما عليهم لضمان أمنهم إلا تدعيم نعرات القومية والوطنية بين المسلمين.

وليس هذا شيئًا جديدًا، ولا مستغربًا منهم البتة، ومع كل هذه المؤامرات، فلا حرَج على المسلمين من ذلك كله، ولا يضرهم كيد أعدائهم، ما داموا يقظين لأنفسهم مدركين لإرب أعدائهم الخبيثة؛ أو على الأقل يوجد من بينهم من القادة الصادقين، مَن يُنبههم إلى إسلامهم كلما حاول شياطين الإنس والجن أن ينفخوا في صدرهم نار حمية الجاهلية الأولى، هذه الجاهلية التي لطالما حاول الشياطين - إنسًا أو جنًّا - أن يبعثوها في المسلمين من جديد، بيد أن يقظة القيادة المخلصة في ولائها للأمة، والصادقة في نصحها، والحريصة على مصالحها، وعلى رأسها وحدتها، هذه القيادة المتمثلة في شخص النبي - صلى الله عليه وسلم -، كانت حدًّا منيعًا بين أعدائنا، والنيل من المسلمين وتحقيق مآربهم الخبيثة منهم، كما يظهر ذلك جليًّا في الحديث الذي يرويه جابر بن عبدالله - رضي الله عنه - قال: (( كنا في غزاة - وفي رواية: مرة - في جيش، فكسَع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار - أي: ضربه على مؤخرته - فقال الأنصاري: يا للأنصار! وقال المهاجري: يا للمهاجرين! فسمع ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: (( ما بال دعوى الجاهلية؟ ) )، قالوا: يا رسول الله، كسَع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال: (( دعوها؛ فإنها مُنتنة ) ).

فسمع بذلك عبدالله بن أُبي المنافق الملعون؟ فقال: فعَلوها، أما والله لئن رجَعت إلى المدينة، ليُخرجن الأعز منها الأذلَّ، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فقام عمر - رضي الله عنه - فقال: يا رسول الله، دعني أضرب عُنق هذا المنافق، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( دعه، أيتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه ) )، وكانت الأنصار أكثر من المهاجرين حين قدِموا المدينة، ثم إن المهاجرين كَثُروا بعد هذا؛ (خ، م) .

ولنا مع هذه الواقعة ثلاثة مواقف مهمة:

أولها: أن الصحابة - رضي الله عنهم - لم يفتخروا بأسبابهم ولا بأنسابهم، وإنما افتخر المهاجرون بتركهم الوطن، والأهل والهجرة إلى الله ورسوله، كما افتخر الأنصار بالنصرة للإسلام ومؤازرة نبيه - صلى الله عليه وسلم - وكلاهما أمر يستحق الافتخار حقًّا، غير أن الموطن الذي وقع فيه ذلك موطن فيه دعوة إلى شقِّ الصف المسلم، وإلقاء الشحناء والبغضاء، وهذا هو موضع الذم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت