فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 80

يعفو كثيرا، ولا يعاقب إلا حيث لا ينفع العفو.

ومعنى هذا أن الإنسان الضعيف أمام غيره، المحتاج إلى غيره، المعرض للغضب وللتصرف الغاضب الظالم، هو المحتاج إلى سلوك العفو وإلى خلق العفو.

وفي قوله تعالى:"وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم" (التغابن 14) وقوله:"وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم" (النور 22) تنبيه على سبب آخر من الأسباب الداعية إلى العفو بين الناس، وهو أنهم كما يحبون أن يعفو الله عنهم، ويحبون لأنفسهم الاستفادة من عفو الله، وحتى من عفو الناس، فليعفوا هم أيضا وليصفحوا عن غيرهم. أي: فابذلوا العفو لغيركم، مثلما تطلبونه لأنفسكم ولأخطائكم.

وأما قوله تعالى:"والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس" (ال عمران 134) فهو يحث على درجة خاصة من درجات العفو، وهي درجة العفو في ساعة الغيظ والغضب والانفعال، وهي درجة عالية صعبة المنال.

تحكي السيدة عائشة -رضي الله عنها- عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتقول: ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا قط بيده ولا امرأة، ولا خادمًا، إلا أن يجاهد في سبيل الله. مسلم.

وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبيًّا من الأنبياء -صلوات الله وتسليماته عليهم- ضربه قومه، فأَدْمَوْه وهو يمسح الدم عن وجهه، ويقول: (رب اغفر لقومي؛ فإنهم لا يعلمون) متفق عليه.

وقد قيل للنبي: (ادْعُ على المشركين، فقال:(إني لم أُبْعَثْ لَعَّانًا، وإنما بعثتُ رحمة) مسلم.

ويتجلى عفو الرسول صلى الله عليه وسلم حينما ذهب إلى الطائف ليدعو أهلها إلى الإسلام، ولكن أهلها رفضوا دعوته، وسلَّطوا عليه صبيانهم وعبيدهم وسفهاءهم يؤذونه صلى الله عليه وسلم هو و زيد بن حارثة، ويقذفونهما بالحجارة حتى سال الدم من قدم النبي صلى الله عليه وسلم.

فنزل جبريل -عليه السلام- ومعه ملك الجبال، واستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في هدم الجبال على هؤلاء المشركين، لكن النبي صلى الله عليه وسلم عفا عنهم، وقال لملك الجبال: (لا بل أرجو أن يُخْرِجُ الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، ولا يشرك به شيئًا) متفق عليه.

وعندما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة منتصرًا، جلس صلى الله عليه وسلم في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت