الصفحة 22 من 346

أما الماضي فنحن نحكم عليه من منظور الحاضر، وهو ما يجعل الماضي دائما موضوعا للحكم عليه وليس أبدا مصدرا للهداية في ذاته، إلا إذا اكتسب شرعيته من الحاضر، ويحضرني هنا دعوة بعضهم لوضع مبادئ فوق دستورية وغير قابلة للتغيير في المستقبل في دستور مصر بعد ثورة يناير عام 2016. وهو اقتراح يدعو في جوهره إلى إعلاء قيم معينة ش كلها الحديث، أساسا

وقد نضيف التقويم، الحديث أيضاء للتجربة التاريخية بوصفها أرقى ما قد تصل إليه التجربة البشرية (فكرة نهاية التاريخ) . وهذا الاقتراح لا يخضع الماضي للحاضر فقط، بل يجعل الحاضر سيدا على المستقبل نفسه ويصادر حق الأجيال اللاحقة في التفاعل الإيجابي مع الماضي وفي اختيار مستقبلها.

النتيجة البائسة لذلك هي الاستسلام التام للحداثة الغربية بصفتها قمة الإبداع البشري، وضياع الخصوصيات التاريخية لشعوب ما يسمى بالعالم الثالثة، ومن ثم ضياع فرصة البناء عليها للتعامل مع المشكلات الأخلاقية والنفسية والاجتماعية والبيئية التي تسبب فيها «التقدم، الحديث. وهذا التقدم، في نظر المؤلف، قائم على نظرة مغرورة بالعلم الحديث الذي لا يعبأ بكثير من الأسئلة الوجودية والأخلاقية التي يتسبب تجاهلها في خلق إنسان محروم من أسباب تحقق إنسانيته، تحت دعوى التحرر من الوهم والخرافة المرتبطة بأدبيات الحداثة. كما يربط المؤلف ربطا واعيا بين التقدم الحديث وتدمير البيتنين الطبيعية والاجتماعية، إذ إن منظومة التدمير قائمة على الأسس النفعية نفسها التي تحكم النظرة الحديثة إلى الكون.

كما يظهر الافتقار إلى الحد الأدنى من التعاطي النقدي مع أفكار الحضارة الغربية الحديثة في التبسيط المخجل لليبرالية والدولة الحديثة ونظام الفصل بين السلطات الذي تقوم عليه هذه الدولة. ويرى المؤلف أن الدراسة النقدية للتجربة العملية في أكثر الدول الغربية تقدما واستقرارا تضع، في أحسن الأحوال، الكثير من علامات الاستفهام حول مدى موضوعية النظام المفترض وحياديته والتزامه بأسسه النظرية في ما يخص حدود سلطات الدولة والعلاقة بينها. ولا يعني ذلك بالطبع أن السعي إلى تحقيق هذا الفصل لا جدوى منه، بل يعني أننا يجب ألا نتعامل معه بصفته نظاما كاملا لا يحتاج إلى مراجعة وتحسين مستمرين أو حتى إلى التفكير في بدائل هيكلية له، مع إدراك أن كل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت