ضروري لزم أن يكون العلم بأنه قديم ضروري أيضًا، ولما بطل هذا فسد هذا، هذا في المقدمة الأولى.
وأما المقدمة الثانية وهي ان يكون القدم مغايرًا لكونه جسمًا، أي زائدا عليه. وذلك لان ذلك الزائد ان كان قديما لزم ان يكون قدمه زائدا عليه ولزم التسلسل، وان كان حادثا، فكل حادث فله أول، وكل قديم فلا أول له، فلو كان قدم القديم عبارة عن ذلك الحادث، لزم ان يكون ذلك الشيء له أول، وان لا يكون له أول وهو محال [1] .
لكن ان عارض أحد بكون الجسم حادثا. يقول الرازي: ان الحادث هو عبارة عن مجموع الوجود الحاصل في الماضي والحاضر، ولا يبعد حصول العلم بالوجود الحاصل مع الجهل بالماضي، بخلاف القديم فانه لا معنى له سوى وجوده. وبهذا يظهر الفرق [2] .
فما هو موقف الإمام ابن تيميّة من هذا الدليل الخامس على حدوث الأجسام؟ فيقرر ان ابن تيميّة ضعف هذه الحجة وانها مبنية على السؤال الثاني: هل هو قديم بقدم، أم لا؟ على قولين عند الأشاعرة. وهي مسألة متفرعة عن مسألة الصفات. وحقيقة النزاع نزاع لفظي، في كون الصفات هل هي زائدة على الذات أم لا؟
وحقيقة الأمر: أن الذات إن أريد بها الموجودة في الخارج، فانها مستلزمة لصفاتها، ولا يتصور وجودها بدون صفاتها، ولا يمكن فرض الذات في الخارج منفكة عن صفاتها حتى يقال: هل هي زائدة، أم لا؟
لكن ما هو تقدير من قال انها غير الذات؟ المراد بها ان ذلك يقدر فقط في الذهن، وليس في الواقع، فإذا أريد بالذات ما يقدر في الذهن مجردا عن الصفات فهذا صحيح في كون الصفات زائدة على الذات.
لكن ما هو معنى قول المتكلمين من أهل السنة:"ان الصفات زائدة على الذات"فهي تعني انها زائدة على ما أثبته المنازعون في الذات، حيث أثبتوا ذاتا مجردة عن الصفات كالفلاسفة و المعتزلة، ونحن نثبتها صفات زائدة على ما أثبتوه
(1) انظر، الرازي، الفخر محمد، (الأربعين) ، ص 41.
(2) انظر، المصدر السابق، ص 41.