فهرس الكتاب
أحدهما: أن الأولين لا يشركونَ ولا يدعونَ الملائكةَ أو الأولياءَ أو الأوثانَ مع الله إلا في الرخاء ، وأما في الشدةِ فيُخلِصونَ الدينَ لله ، كما قال تعالى: ( فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون ) [ العنكبوت: 65] ، وقال تعالى: ( وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورًا ) [ الإسراء: 67] وقال تعالى: ( قل أرأيتم إن أتاكم عذابُ الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين * بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون ) [ الأنعام ك 40، 41] وقوله: ( وإذا مس الإنسانَ ضر دعا ربه منيبًا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل ) [ الزمر: 8] وقوله: ( وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين ) [ لقمان: 32] . فمن فهِمَ هذه المسألة التي وضحهَا الله في كتابِه ؛ وهي أن المشركين الذين قاتلهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يدعونَ الله، ويدعونَ غيرَهُ في الرخاء ، وأما في الضراء والشدةِ فلا يدعونَ إلا اللهَ وحدهُ لا شريكَ لهُ ، وينسونَ سادَتهم ، وتبينَ لهُ الفرقُ بين شركِ أهلِ زمانِنا وشركِ الأولينَ ، ولكن أين من يفهمُ قلبُهُ هذهِ المسألةِ فهمًا راسخًا ؟ والله المستعانُ .
الأمر الثاني: أن الأولينَ يدعونَ مع الله أناسًا مُقربينَ عندَ اللهِ ؛ إما نبيًا وإما ملائكةً ، أو يدعونَ أحجارًا ، وأشجارًا مُطيعةَ لله تعالى ليستْ بعاصيةٍ ، وأهلُ زمانِنَا يدعونَ مع الله أناسًا من أفسق الناسِ ، والذين يدعونَهُم هم الذين يحكونَ عنهم الفجور من الزنا ، والسرقة ، وتركِ الصلاةِ ، وغير ذلك ، والذي يعتقدُ في الصالحِ ، والذي لا يعصي - مثل الخشبِ والحجرِ - أهونُ ممن يعتقدٌ فيمن يُشاهدُ فسقُهُ وفسادُه ويشهدُ بهِ .