الصفحة 97 من 195

زعمت النصارى، ولا كما زعمت اليهود، وأبلغ منه قوله: {قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ} 1 الآية، خص المسيح وأمه من أهل الأرض، لأنهما اتخذا إلهين، فخصا لنفي هذا الشرك، ولم يكن تنقصا لهما. وقال تعالى: {وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا} 2 الآية.

فتخصيصه تنبيه على من دونهم، ومن هذا قوله:"لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله، ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل"3 فتخصيصه لتحقيق العموم، وكذلك قوله: {وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} 4 الآية، فذكر الملائكة تنبيها على أن هذه الدعوى لا تجوز لأحد من الخلق، ولو قدر وقوعه من ملك لكان جزاؤه جهنم، فكيف بغيره؟ وهذا التحقيق إفراد لله بالإلهية، ومنه قوله: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} 5. والأنبياء معصومون ولكن المقصود بيان أن الشرك لو صدر من أفضل الخلق لأحبط عمله، فكيف بغيره؟ وكذلك قوله: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} 6، خوطب بذلك أفضل الخلق لبيان عظم هذا الذنب، لا لغض قدر المخاطب، كقوله: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ} 7 الآيات، وقوله: {فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ} 8.

1 سورة المائدة آية: 17.

2 سورة آل عمران آية: 80.

3 البخاري: المرضى (5673) والرقاق (6463) , ومسلم: صفة القيامة والجنة والنار (2816) , وأحمد (2/235 ,2/264 ,2/451 ,2/482 ,2/488 ,2/503 ,2/514 ,2/537) .

4 سورة الأنبياء آية: 29.

5 سورة الأنعام آية: 88.

6 سورة الزمر آية: 65.

7 سورة الحاقة آية: 44.

8 سورة الشورى آية: 24.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت