فمن جعل أكثر اعتماده على الأسباب نقص توكله على الله ويكون قادحا في كفاية الله فكأنه جعل السبب وحده هو العمدة فيما يصبو إليه من حصول المطلوب وزوال المكروه .
ومن جعل أكثر اعتماده على الله ملغيا للأسباب فقد طعن في حكمة الله لان الله جعل لكل شيء سببا فمن اعتمد على الله اعتمادا مجردا كان قادحا في حكمة الله لان الله حكيم يربط الأسباب بمسبباتها كمن يعتمد على الله في حصول الولد وهو لا يتزوج . والنبي صلى الله عليه وسلم أعظم المتوكلين ومع ذلك كان يأخذ بالأسباب فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ الزاد في السفر ولما خرج إلى احد ظاهر بين درعيه أي لبس درعين اثنين ولما خرج مهاجرا اخذ من يدله الطريق وكان صلى الله عليه وسلم يتقي الحر والبرد ولم ينقص ذلك من توكله ويذكر عن عمر رضي الله عنه أن قدم ناس من أهل اليمن إلى الحج بلا زاد فجيء بهم إلى عمر فسألهم فقالوا: نحن المتوكلون على الله: فقال: لستم المتوكلين بل انتم المتواكلون . فالضابط في هذه المسالة أن تعرف أن"الأخذ بالأسباب واجب وطاعة الله تعالى ولكن مع ترك الاعتماد عليها بل الاعتماد على الله وحده لا شريك له في حصول المقصود بعد الأخذ بالأسباب. وبهذا يتبين أن الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد وان مما ينبغي أن يعلمه العبد تلك القاعدة الجليلة والتي ذكرها شيخ الإسلام وهي:"الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد ، ومحو الأسباب أن تكون أسبابا نقص في العقل والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع ، وإنما التوكل معنى يتألف من موجب التوحيد والعقل والشرع"."
*منزلة التوكل في الدين (1) *
(1) - أنظر حاشية كتاب التوحيد لأبن قاسم ص 251. و أنظر مدارج السالكين لأبن القيم 112- 117 .