فهرس الكتاب
استحل شيئا مما حرم الله تعالى صار به مشركا، وقد حرم الله الميتة نصا، فإذا قبل تحليلها من غيره فقد أشرك. اهـ [1]
تنبيه
يُلاحَظ من أقوال أهل التفسير في الآية السابقة أن أهل الباطل في كل زمان ومكان يتحايلون لتلبيس الحق بالباطل على أهل الإسلام، وذلك بتبديل الأسماء الشرعية ابتغاء تبديل الأحكام، فقد قال كفار قريش لأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إن هذه الميتة لا يصح تسميتها بهذا الإسم ـ الميتة ـ إنما هي ذبيحة الله التي ذبحها بيده، فلا يجوز أن تتركوها وتأكلوا ما ذبحتموه أنتم بأيديكم، حتى كاد ذلك أن يؤثر في نفوس بعض الصحابة - رضي الله عنهم - ، فحذرهم الله تعالى من طاعة أهل الشرك في تزيينهم وتلبيسهم، وهكذا يفعل أعداء الله تعالى في كل زمان ومكان فإنهم يحاولون أن يلبسوا على أهل الحق دينهم ويغيروا الأسماء الشرعية ليضلوا الناس عن دين الله تعالى، ومثل هذا ما يحدث في زماننا هذا من تسمية المجرمين للخمر باسم المشروبات الروحية وللدعارة والفجور والتبرج والسفور والزنا باسم الفن، وأعظم من ذلك وصفهم الردة الصريحة عن دين الله تعالى بأنها حرية الرأي والفكر، ووصفهم الاستهزاء بدين الله تعالى والسخرية منه بأنها حرية التعبير والصحافة، ويجب على أهل الإسلام أن يتنبهوا لحيل أهل الكفر والإلحاد ولا ينخدعوا بها، فإنه من المعلوم أن العبرة بالحقائق لا بالأسماء ولذلك فقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سيأتي أناس يستحلون المحرمات بعد أن يغيروا اسمها، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا تذهب الليالي والأيام حتى تشرب فيها طائفة من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها) [2]
وقد قال الشيخ الشنقيطي رحمه الله: ومن هَدْي القرآن للتي هي أقوم بيانه أن كل من اتبع تشريعا غير التشريع الذي جاء به سيد ولد آدم محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، فاتباعه لذلك التشريع المخالف كفر بواح مخرج من الملة الإسلامية.
ولما قال الكفار للنبي - صلى الله عليه وسلم -: الشاة تصبح ميتة من قتلها؟ فقال لهم: قتلها الله، فقالوا له: ما ذبحتم بأيديكم حلال، وما ذبحه الله بيده الكريمة تقولون إنه حرام! فأنتم إذن أحسن من الله؟ فأنزل الله فيهم قوله تعالى (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون) ...إلى قوله:
فهو قَسَمٌ من الله جل وعلا أقسم به على أن من اتبع الشيطان في تحليل الميتة أنه مشرك، وهذا الشرك مخرج عن الملة بإجماع المسلمين، وسيوبخ الله مرتكبه يوم القيامة بقوله (ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين) لأن طاعته في تشريعه المخالف للوحي هي عبادته.اهـ [3]
(1) تفسير القرطبي، ج7 / 79، ط: دار الحديث.
(2) رواه النسائي وأبو داود وأحمد والدارمي.
(3) أضواء البيان للشنقيطي، ج 3 /441.